منذ بدأت قوافل اللاجئين تصل إلى الحدود السورية مع لبنان، ظهرت رائحة من الكراهية والطائفية والتحريض من قبل عصابات حزب الله اللبناني، وبعض المسؤولين في الحكومة اللبنانية، تحريضاً وتضييقاً على اللاجئين السوريين الذين فروا من الحرب إلى مخيمات النزوح في بلدة عرسال الحدودية.

وصل حجم الوقاحة أن يتصدر وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل هذه الحملة الظالمة على اللاجئين السوريين، ويرمي بتهم الإرهاب والفوضى والتخريب على مدنيين يتشبثون بالأمل بعد أن فقدوا كل شيء في الحياة.

أما عصابات حزب الله التي كانت سبباً في تهجير قرابة مليون ونصف لاجئ سوري إلى البقاع وعرسال بسبب تدخُّلها العسكري في القلمون والقصير لإنقاذ بشار الأسد، فلم يهدأ لها بال منذ وصول أول النازحين إلى حدود لبنان؛ فقد مارست كل أشكال المضايقة والترهيب والشيطنة على اللاجئين السوريين؛ بل قامت باعتقال عدد منهم خصوصاً الضباط المنشقين وإعادتهم إلى النظام السوري.

وتقول المعلومات إن ميليشيات حزب الله والمخابرات اللبنانية والجيش اللبناني يعتقلون قرابة خمسة آلاف لاجئ ولاجئة من السوريين في لبنان، في سجون سرية وعلنية، وأعادت بعضاً منهم إلى النظام السوري خصوصاً الشباب منهم، حيث أُجبروا على التجنيد العسكري في صفوف الجزار الأسد.

ولعل المجزرة الأخيرة التي حدثت للنازحين في مخيمي النور والقارية عند أطراف بلدة عرسال الحدودية، كانت هي الدلالة الواضحة على النية المُبيَّتة لمعاقبة النازحين السوريين؛ إذ قامت قوات الجيش اللبناني بمساعدة حزب الله باقتحام المخيمات وقتل قرابة 18عشر لاجئاً واعتقال أكثر من 400 لاجئ أعيد بعضهم إلى أهله جثثاً هامدة نتيجة التعذيب في المعتقلات.

وعندما انكشف أمر قوات الجيش جاءت التبريرات بأن الجيش ذهب إلى المخيمات للبحث عن إرهابيين، وأن عدداً من الإرهابيين فجروا أنفسهم في قوات الجيش، وبرروا مقتل عدد من اللاجئين المعتقلين بأنهم ماتوا بسبب تغير الأوضاع الصحية، وأنهم قضوا قبل أن يتم التحقيق معهم، ولكن آثار التعذيب والخدوش والأورام التي ظهرت على أجساد المتوفين من اللاجئين كانت أكبر شهادة على الجرم الذي قامت به قوات الجيش ضد لاجئين لا يملكون خبزاً وماءً فضلاً عن أنهم يملكون موادًّ متفجرة وفقاً لشهادات ناشطين ومنظمات مدنية.

ويبدو واضحاً أن هناك محاولات مستميتة من قبل حزب الله وأعضاء في الحكومة اللبنانية والجيش، في التضييق على اللاجئين وشيطنتهم ومن ثَمَّ طردهم من الأراضي اللبنانية وإعادتهم إلى مقصلة بشار الأسد وزبانيته.

وحسب المعلومات فإن حزب الله بدأ بالتنسيق منذ وقت مبكر مع النظام السوري في مسألة إعادة اللاجئين السوريين في لبنان إلى مناطق سيطرة النظام السوري، وقد جرى بالفعل إعادة دفعات من اللاجئين، ثم حدثت الكارثة المتوقعة، إذ قام النظام السوري بتجنيد كل الشباب البالغين بشكل إجباري في صفوف الجيش، ووضعهم في الصفوف الأولى في الجبهات، ولسان حاله يقول: لم نتخلص منهم بالبراميل المتفجرة فسنتخلص منهم في جبهات القتال، فضلاً عن أنها فرصة كبيرة لرفد جبهات القتل التي بدأت تتضاعف بسبب ضربات الثوار.

إن المعاناة التي يعانيها اللاجئون السوريون في لبنان لا يمكن أن توصف بالأحرف، فهم من أكثر السوريين معاناة في بلاد النزوح؛ فلا خدمات صحية ولا تعليمية ولا أمن ولا أمان، وفوق هذا تمارس عليهم كل أنواع الشيطنة والاتهامات الأخلاقية والتضييق المستمر، حتى وصل الأمر إلى إحراق عدد من المخيمات بشكل متعمد بالتزامن مع حملة الجيش داخل المخيمات.

وبدلاً من أن يكون للحكومة اللبنانية دور إيجابي في إيقاف كتائب حزب الله المتدفقة على القلمون والقصير لقتل الشعب السوري، كانت أيضاً ملتزمة بالصمت عن تحريض بعض أعضائها على اللاجئين السوريين، وسعي حزب الله إلى إعادتهم إلى حلبة الموت التي فروا منها.

والعجب أن تكون قوات الجيش اللبناني خاضعة منقادة لميليشيات إرهابية تتجاوز الحدود وتمارس القتل والتقتيل، لكنها تظهر جبروتها وآلتها العسكرية على لاجئين مدنيين لا يملكون قوت يومهم ويقاسون أوضاعاً إنسانية لا يمكن وصفها.

تلك إذن باختصار هي قصة اللاجئين السوريين في لبنان وأوجاعهم المتتالية؛ فالألم كل الألم أن تفر من الحرب فيقودك من يدعي أنه يحميك إلى الموت والهلاك والمحاصرة والتضييق.