تسفي برئيل/ "هآرتس"

 ان وقف إطلاق النار في جنوب سوريا والذي يفترض ان يدخل حيز النفاذ، لن يكون الأول من نوعه الذي تم تجربته في الدولة، لكن ما يميزه هو انه اول نتاج لاتفاق روسي – امريكي بعد تبادل لكمات بين ترامب وبوتين.

في الشهر الماضي، تم اجراء تجربة غير ناجحة لوقف إطلاق النار لمدة 48 ساعة، لكنه تم خرقها عندما شنت قوات نظام الاسد هجوما جويا على منطقة درعا، وقبل ذلك تم تطبيق عدة اتفاقيات على وقف إطلاق النار في مناطق محددة، خاصة بين جماعات ثورية بنفسها. الجانب المهم، والمثير للشك، في وقف إطلاق النار القريب، هو أن التنظيمات ثورية وإيران وحزب الله ليست شريكة في الاتفاق وليس من الواضح ما إذا ستنفذه. ويستدل من نص البيان العلني الذي اصدره وزيرا الخارجية الروسي، لافروف، والامريكي تيلرسون، فان وقف إطلاق النار (غير المحدد زمنيا) سيكون "خطوة اولى نحو خطوات اخرى".

والمقصود تفاهمات ربما يتم التوصل اليها حول إقامة منطقة "قليلة العنف" في جنوب سوريا، على امتداد الحدود بين سورية، الأردن والكيان الصهيوني، ومن ثم اقامة ثلاثة مناطق امنية اخرى في شمال ومركز سورية.

والحديث عن منظومتين مختلفتين من الحوار. الاولى، تتعلق بوقف إطلاق النار، والتي تضع في اختبار آخر قدرة روسيا على ضمان سلوك جيش النظام وتنفيذ مراقبة ناجعة بواسطة الشرطة العسكرية الروسية في المنطقة التي يفترض ان ينفذ فيها وقف إطلاق النار والتي لم يتم تحديدها بعد. الولايات المتحدة في هذه الحالة هي نوع من الشريك السلبي الذي يهدف الى توفير مظلة دولية لوقف إطلاق النار، وفي الأساس عرض المصالحة الروسية – الأمريكية المفترضة. اما منظومة الحوار الثانية، فتتعلق بتحديد المناطق الآمنة وطريقة مراقبتها. هذه النقاشات تجري في أستانة عاصمة كازخستان، بمشاركة روسيا، تركيا وإيران، من دون الولايات المتحدة. وقد انتهت الجولة الخامسة من لقاءات أستانة، هذا الاسبوع، من دون التوصل إلى نتائج ملموسة. ويتمحور الخلاف بين الاطراف حول شكل مراقبة المنطقة الأمنية، ترسيم حدودها وصلاحيات قوات المراقبة. ومن هنا، فانه حتى إذا صمد وقف إطلاق النار، فانه لا يكفي لضمان تقدم موضوع انشاء المناطق الآمنة بشكل فاعل.

خلافا لمناطق أخرى في سوريا، وخاصة في شمال البلاد، يبدو انه من السهل أكثر التوصل إلى تفاهم حول وقف إطلاق النار، وربما ايضا على إنشاء منطقة آمنة في جنوب الدولة، بسبب التقاء المصالح بين روسيا والولايات المتحدة، واستبعاد أقدام ايران والميليشيات التابعة لها، كميليشيا النخبة الشيعية وحزب الله، من هذه المنطقة. تركيا لا تطرح مطالب استراتيجية ونوايا سيطرة في جنوب سوريا، مقابل تدخلها المكثف في شمال الدولة، ومطالبتها بأن تكون شريكة في قوات مراقبة مناطق الامن الشمالية. اما إيران فلا توجد لها قاعدة قوة "طبيعية" في جنوب البلاد وحلمها بإقامة جسر بري بين إيران وسورية، لا يحتاج إلى جنوب الدولة. الأمر الملح في السعي إلى تهدئة الاوضاع في جنوب سورية ينبع، ايضا، من الحاجة الى طمأنة الاردن والكيان الصهيوني، التي يتم التكهن بأنها قد تتدخل في الجبهة السورية إذا قدرت بأن قوات مناصرة لإيران يمكن ان ترسخ وجودها على حدودها. تل أبيب، التي تشارك بشكل فاعل في النقاشات التي تجري في عمان حول انشاء مناطق أمنية في جنوب سورية، تفهم انها ستضطر إلى الاكتفاء بمراقبة روسية لهذه المنطقة لأنه في هذه المرحلة، على الاقل، لا تنوي الولايات المتحدة ارسال قوات مراقبة او التدخل العسكري في الحرب السورية، باستثناء الحرب ضد داعش والتي تدور حاليا على جبهة الرقة ومحافظة دير الزور.

في منطقة درعا، وبشكل خاص في محافظة السويداء، التي تحاذي هضبة الجولان، يوجد للكيان الصهيوني عدة حلفاء، ومن بينهم الدروز، "ميليشيات فرسان الجولان"، ووحدات الجيش السوري الحر. ويمكن لهؤلاء الحلفاء، حسب محللين عرب، ان يشكلوا قاعدة لإقامة "جيش جنوب سورية"، على غرار "جيش جنوب لبنان" الذي اقامته ومولته تل ابيب. وسيكون هدف هذه القوات هو منع سيطرة قوات حزب الله والوحدات المناصرة لإيران في منطقة هضبة الجولان، بعد انتهاء الحرب ضد داعش، وانصراف القوات الأمريكية من المنطقة. الافتراض في تل أبيب هو أن انصراف القوات الأمريكية المتوقع سيترك الحلبة بشكل مطلق في ايدي الروس، الذين قد يتوصلون إلى تفاهمات مع إيران في كل ما يتعلق بالسيطرة على الأرض، كجزء من مصلحتهما المشتركة بالإبقاء على بشار الأسد في السلطة. ومن هنا جاء التحفظ الصهيوني من انفراد روسيا بمراقبة جنوب سورية، لكنها ستضطر إلى التعايش بسلام مع النتائج التي تحققت حتى الان.

هذه المعايير لا تغيب عن أعين قسم من تنظيمات الثورة التي تتخوف في الأساس من تقسيم سورية بين ثلاثة مناطق تأثير، روسية، ايرانية وتركية، وتكون هي التي ستحسم المصير السياسي لسورية من دون أن تطالب بالتعامل مع مواقف الثوار. هذا هو مصدر الالحاح على دفع اتفاق لوقف إطلاق النار وانشاء مناطق آمنة، وكذلك دفع المفاوضات المتوقع أن تستأنف هذا الشهر في جنيف. ويتضح بشكل أكبر أن جهات ثورية يتم دفعها إلى زقاق سياسي ضيق، يتبقى لهم فيه مجال قليل من المناورة امام السيطرة الروسية على البلاد، والتقسيم المتوقع لمناطق التأثير الاجنبي، خاصة حين فقدت غالبية الميليشيات الشرعية، باستثناء الكردية، الدعم الامريكي واصبحت غير ذات صلة في لعبة القوى العظمى، ولم يتبق لها الأن إلا إجراء مفاوضات مع روسيا من مكانة ضعيفة.