{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 1- 2] نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا جزيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له سبحانه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحكيمة، والخلق المتقن ما يحرك الألسن بالثناء عليه سبحانه؛ فهو عز وجل المستحق للثناء كله، ولا يُثنى على أحد كما يثنى عليه سبحانه؛ فله الحمد كله، وله الثناء كله، ولا نحصي ثناء عليه كما أثنى هو على نفسه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ كان كثير الثناء على الله تعالى، وعلّم أمته كيف يثنون على ربهم سبحانه، وسَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وأثنوا عليه سبحانه بما هو أهله؛ فإنه سبحانه خالقكم ورازقكم ومحييكم ومميتكم، ويبعثكم فيجزيكم بأعمالكم؛ فطوبى لمن وجد في صحائفه ثناء كثيرا على الله تعالى، ومن الثناء على الله تعالى كثرة ذكره وتهليله وتسبيحه وتكبيره وحمده.

أيها الناس: حق الخالق على المخلوق عظيم، وفضله عليه كبير، والكيس الفطن من علم حق خالقه عليه فاجتهد في أدائه ولن يبلغه، ولكننا أمرنا بالعمل والاجتهاد، ومن الله تعالى الرحمة والعفو والغفران.

وربنا سبحانه يستحق المدح والثناء، وهو يحب المدح والثناء، ويحب الحامدين له من خلقه، المثنين عليه بما هو أهله؛ كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ» رواه الشيخان.

وربنا سبحانه قد أثنى على نفسه في كتابه الكريم كثيرا؛ ليتعلم أهل القرآن كيفية الثناء على الله تعالى، ويتكرر ثناؤهم عليه سبحانه بتلاوتهم كتابه، فتمتلئ به قلوبهم، فلا يشغلهم عنه شاغل، ولا يلهيهم عنه شيء.

وأعظم سورة في القرآن سورة الفاتحة التي افتتح القرآن بها، وقراءتها ركن في الصلاة، وتقرأ في كل ركعة، وهي قسمة الله تعالى بينه وبين المصلي، وقد افتتحت بالثناء على الله تعالى؛ ليُفتتح القرآن في فاتحته بالثناء عليه سبحانه {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 2 - 4].

وأعظم آية في كتاب الله تعالى هي آية الكرسي كما جاء في الحديث الصحيح، وكلها ثناء على الله تعالى، بل ما كانت أعظم آية إلا لما فيها من جميل الثناء عليه سبحانه {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255].

وكل حمد في القرآن فهو ثناء على الله تعالى، وقد تكرر الحمد في أكثر من عشرين موضعا، وافتتحت بالحمد خمس سور من القرآن، وكل ربع من القرآن فهو مفتتح بالحمد؛ فافتتح الربع الأول بالفاتحة {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، والثاني بالأنعام {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1]، والثالث بالكهف {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1]، والرابع بسبأ وفاطر {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فاطر: 1]، مما يدل على عظمة الله تعالى المستحق للثناء، وأهمية ملازمة العبد الثناء عليه سبحانه؛ ليصلح بذلكم الثناء قلبه، ويستقيم دينه، فتظل عظمة الله تعالى أمام عينيه في كل قول وفعل وحركة وسكون.

وكل تسبيح في القرآن فهو ثناء على الله تعالى؛ لأن التسبيح تنزيه وتعظيم، والتنزيه والتعظيم يقتضيان الثناء على المنزه المعظم سبحانه وتعالى، وتكرر التسبيح في القرآن في سبعة وثمانين موضعا، وافتتحت به سبع سور هي: الإسراء {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1].

والحشر والصف، وافتتحتا ب {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 1]  والجمعة بـ {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة: 1] وأما الحديد والتغابن والأعلى فافتتحت بالتسبيح لله تعالى مع بيان جملة من أوصافه وأفعاله التي تهز القلوب من عظمته وقدرته وحكمته، وتستوجب دوام الثناء عليه سبحانه؛ ففي سورة الحديد {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الحديد: 1 - 6].

وفي سورة التغابن {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [التغابن: 1 - 4].

 وفي سورة الأعلى التي تطرق الأسماع في الجمع والأعياد والتراويح {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} [الأعلى: 1 - 5].

وكل تبريك في القرآن فهو ثناء على الله تعالى؛ لأن معناه أنه سبحانه جاء بكل بركة، قال بعض المفسرين: وهي كلمة تعظيم وثناء لم تستعمل إلا لله وحده. أي: تعاظم، وكملت أوصافه، وكثرت خيراته. والمقصود أن الله تعالى أنشأ به ثناء على نفسه.

 وجاء التبريك في القرآن في ثمانية مواضع، وافتتحت به سورتي الفرقان والملك، وجاء فيهما من أوصاف الله تعالى وأفعاله ما يستوجب الثناء عليه سبحانه {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 1- 2]. وفي سورة الملك {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك: 1 - 3].

وختمت به سورة الرحمن التي تضمنت صفات الرحمن سبحانه وأفعاله {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 78] وهذا من أبلغ الثناء.

نسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا بتعظيمه وعبوديته، وأن يرطب ألسنتنا بدوام ذكره وشكره، وأن يلهمنا الثناء عليه وحسن عبادته، إنه سميع مجيب.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله...

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

 أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281].

أيها المسلمون: ينبغي للمؤمن أن يدمن قراءة القرآن؛ ليكثر من الثناء على الله تعالى، وينبغي لقارئ القرآن أن يقف مليا عند آيات الثناء على الله تعالى، ويتدبرها ليتأثر بها؛ فإن الله تعالى ما ملأ القرآن بالثناء عليه سبحانه إلا ليصلح به قلوب العباد ويثبتها على دينه، وما أحوج المؤمن إلى ذلك في زمن تتفاقم فيه المحن، وتتلاطم فيه الفتن؛ لتتخطف قلوبا فتفتنها عن دينها، وتحرفها عن عبادة ربها سبحانه وتعالى.

ومن أعظم وسائل الثبات على الحق كتاب الله تعالى {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32] ومن أعظم مواطن التثبيت في القرآن آيات الثناء على الله تعالى؛ لأنها تتضمن صفاته سبحانه التي تتلاشى معها صفات المخلوقين وإن عظم جبروتهم، وزادت قوتهم، وكثر جمعهم. وتتضمن أفعال الله تعالى وأقداره، وأنه سبحانه مدبر الأمر، ومقدر القدر، ومالك الملك؛ فيمتلئ القلب بالسكون إليه، والرضا به، والتوكل عليه، وعدم خشية أحد من الخلق مهما كان.

وإذا امتلأت القلوب بالله تعالى وحده محبة وتعظيما ورجاء وخوفا لم يبق فيها للمخلوقين محل. وكلما أكثر العبد من ذكر الله تعالى، وأدمن الثناء عليه بما هو أهله؛ ارتاح قلبه وسكن واطمأن، وذهب خوفه، وتلاشى جزعه؛ والقرآن أعظم ذكر، والثناء على الله تعالى فيه أقوى مثبت {وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1] {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

وصلوا وسلموا على نبيكم....