حينما يدور الزمان فإن دورته عجيبة، لا تبقي شيئاً على حاله، قبل أيام أتحدث إلى زميل صحفي مقيم في القاهرة يعمل في وكالة أنباء عالمية، وإذا به يخبرني بأن هذا الزمن زمن محمد دحلان وسيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي معمر القذافي الذي خرج من السجن قبل أيام في إطار قانون للعفو صادَق عليه برلمان "طبرق" المدعوم من الجنرال خليفة حفتر، الذي يحاول منذ مقتل الجنرال الليبي الثائر عبد الفتاح يونس طرد الجماعات الإسلامية من ليبيا، يقول ذاك الصديق إن مصر تريد إعادة سيف الإسلام القذافي إلى الحكم في ليبيا؛ فالرجل له علاقات قديمة وصاحب نظرية المصالحة السياسية في آخر أيام والده ويستطيع أن يوحد الليبيين بالعصا والجزرة في مدة قصيرة. أما محمد دحلان الذي هرب من غزة في صيف عام 2007 بعد أن سيطرت حركة حماس عليها في اشتباكات ضارية استمرت أياماً بين أجهزة أمنية يديرها دحلان وكتائب القسام الجناح المسلح لحركة حماس، راح ضحيتها المئات، فإنه المرشح الأبرز اليوم لإقصاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

 بداية الأسبوع صرح خليل الحية القيادي في حركة حماس أن الحديث مع محمد دحلان تم عقب رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس الحوار وتقبل مطالب حركة حماس والانصياع للاتفاقات السابقة، و "التيار الإصلاحي" في حركة فتح الذي يقوده محمد دحلان سيكمل مع حركة حماس المصالحة الاجتماعية التي انطلقت منذ سنوات، مبشراً بمرحلة مصالحة بين حماس ودحلان ستتوج بفتح معبر رفح للتجارة والمسافرين وستقوم مصر بتزويد القطاع بالمحروقات والكهرباء، بالمقابل فإن الثمن المطلوب من حماس قبول مشاركة دحلان - الذي كان ينظر إليه على أنه "قاتل" ويقود فرق الموت قبل 10 أعوام - في العمل من غزة. يتمحور الاتفاق على أن يدار قطاع غزة بالتعاون بين حركة حماس وتيار محمد دحلان، حيث ستتولى حماس الملف الأمني وسيتولى الأخير الملف السياسي بعد اتفاقات ستكون بحضانة مصرية وسيتم تنفيذها من خلال لجنة إدارة ستحصل على تزكية من كتلتي دحلان وحماس في المجلس التشريعي الفلسطيني، ستمكن تلك الاتفاقات محمد دحلان بأن يكون ناطقاً سياسياً باسم الفلسطينيين في قطاع غزة، وسيحمل أجندة سياسية جديدة هدفها تهميش وإقصاء عباس.

 إنْ فعلاً طبق هذا الاتفاق وقامت مصر بفتح معبر رفح وتقديم تسهيلات لغزة، فإنه سيكون المسمار الأخير في نعش الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي فقد تأثيره على المستوى الداخلي والخارجي، ويعني ذلك أن هناك موافقة إقليمية وأمريكية على أن يكون محمد دحلان بديلاً عن محمود عباس.

الثمن المرتقب من حركة حماس في الفترة الراهنة أن تقبل بقائمة شركاء جدد في قرارها السياسي والأمني، فمصر لن تفتح معبر رفح دون مقابل، ولن تسمح أيضاً الحكومة الصهيونية بذلك عبثاً، كذلك فإن عودة دحلان إلى قطاع غزة سيسمح بعودة تيار كامل تم طرده من غزة لعدة أسباب أبرزها "التنسيق الأمني" مع الكيان الصهيوني؛ فهل الظروف الصعبة التي مرت بها حركة حماس جعلتها تعيد ترتيب أولوياتها وتبلور سياسة جديدة لا سيما عقب الوثيقة التي صدرت في شهر مايو الماضي وتنص على القبول بدولة في حدود عام 1967. الوقت سيكون الحكم في تنفيذ تلك الاتفاقات إن صحت المعلومات الواردة حولها، وإن أبدت قيادات حماس السياسية مرونة كافية بهذا الصدد فإن القاعدة العسكرية للحركة لن تقبل بمثل هذه الاتفاقية بسهولة؛ فمنذ تسلم حركة حماس الحكم في قطاع غزة وهي تعاني بسبب الضغط الاقتصادي الذي أفقدها كثيراً من الخيارات.

تعتقد واشنطن أن وفاة الرئيس محمود عباس قد ينتج عنها فراغ سياسي كبير في المشهد الفلسطيني يترتب عليه ربما انطلاق انتفاضة فلسطينية ثالثة تنسف كل ما بني على اتفاقية أوسلو، وخصوصاً في مجال الحماية الأمنية واحتواء الأعمال الفدائية المنطلقة من الأراضي الفلسطينية. ربما تم تفضيل محمد دحلان عن ماجد فرج الذي يدير جهاز المخابرات العامة الفلسطيني رغم عمق علاقته بالمخابرات الأمريكية، لعدة أسباب، أبرزها امتدادات دحلان في قطاع غزة وقدرته على لعب دور الوسيط بين حركة حماس والكيان الصهيوني بهدف احتواء التوتر ومنع نشوب حروب مفاجئة. الأمر الآخر أن لدحلان مساندة إقليمية واسعة من عدة أطراف، بالإضافة إلى علاقته القوية بالكيان الصهيوني، بخلاف ماجد فرج الذي يؤدي دائماً دور الجندي دون أي مرونة وحس سياسي، كذلك حينما يتم المقارنة بين الضفة وغزة فإن تل أبيب يهمها غزة أكثر من الضفة كونها تمتلك كثيراً من الأسلحة التي لا يمكن السيطرة عليها، بعكس الضفة التي تخضع لسيطرة أمنية حادة من السلطة والجيش الصهيوني.

نحن أمام منعرج خطير تمر به القضية الفلسطينية، يشهد صعود يمين صهيوني متطرف وتكثيف عمليات الاستيطان، وانقساماً حاداً في الوضع العربي والإسلامي، ولا مبالاة على الصعيد الدولي والعالمي، بالإضافة إلى تركيز واشنطن على ملف محاربة "الإرهاب" دون أي اعتبار لكون القضية الفلسطينية هي من أكثر مسببات القلاقل الأمنية في المنطقة، لذلك وجب على حركة حماس أن تجيد اللعب في هذا الميدان، وهو المأمول منها، ونسأل الله لها التوفيق والعون والسداد.