أضحى اسم الأسير مروان البرغوثي موضع اهتمام في وسائل الإعلام العربية والأجنبية، ولا يكاد يمضي يومٌ واحد دون ذكر اسمه، وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ذات الانتشار السريع.

ويعيش البرغوثي هذه الأيام قابعاً خلف القضبان الحديدية في سجون الاحتلال بالتزامن مع حالة التهميش والإقصاء المتعمد الذي يُمارس بحقه بواسطة قيادة السلطة الفلسطينية وحركة فتح، وذلك لقطع الطريق عليه من أن يتصدَّر المشهد السياسي الفلسطيني، وهو ما يضع جملة من علامات الاستفهام حول أسباب ودوافع وآفاق ذلك الإقصاء المتعمد.

من هو مروان البرغوثي؟

مروان البرغوثي هو أحد قيادات الشعب الفلسطيني وحركة فتح في الضفة الغربية المحتلة، وُلد في السادس من يونيو عام 1958م في قرية كوبر الفلسطينية، اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي للمرة الأولى في الخامسة عشر من عمره، ومورس بحقه أنواع مختلفة من التعذيب، وقام السجَّان في غير مرَّة بضربه في أماكن حساسة من جسده، وفي تلك الأثناء تعلم اللغة العبرية.

ولعب دورًا محورياً خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م، فاعتقلته سلطات الاحتلال ثمَّ رحلته إلى الأردن فمكث فيها 7 سنوات، قبل عودته إلى الضفة الغربية عام 1994 بموجب اتفاق أوسلو، وبعدها حصل على مقعد في المجلس التشريعي الفلسطيني إثر ترشحه للانتخابات التشريعية الأولى عام 1996م.

ويحمل مروان البرغوثي درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، حصل عليها عام 2010م من معهد البحوث والدراسات التابع لجامعة الدول العربية، واستغرق إيصال رسالة الدكتوراه إلى خارج سجن هداريم سرّا نحو عام كامل عبر محاميه. وقبلها حصل على درجتي البكالوريوس في التاريخ والعلوم السياسية والماجستير في العلاقات الدولية، وعمل حتى اعتقاله محاضرا في جامعة القدس في أبو ديس.

والبرغوثي بلا شك؛ صاحب تاريخ نضالي قلما تجده لدى قيادات التيار العلماني في الأراضي الفلسطينية، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن أن يرقى لدرجة القداسة أو العمل الأسطوري، وثمَّة من يتهمه بالتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي زمن الدراسة في جامعة بيرزيت

اعتقال البرغوثي:

تعرَّض مروان البرغوثي لما يمكن تسميته ب"خيانة" من بعض قيادات الأجهزة الأمنية الفلسطينية المقرَّبين منه، ورغم بعض التوقعات باقتحام جيش الاحتلال لمقرات الأجهزة الأمنية؛ احتفظوا في مكاتبهم ببعض المعلومات والوثائق التي أدانت البرغوثي في المسؤولية عن عمليات فدائية نفذتها كتائب شهداء الأقصى (الجناح المسلح لفتح) والضلوع بتخطيط عملية فدائية داخل الأراضي المحتلة أدَّت إلى مقتل 5 صهاينة مطلع انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية)، وعلى الأثر؛ اعتقله جيش الاحتلال في 15 أبريل عام 2002، من أحد المنازل بمدينة رام الله، ثم أصدرت محكمة "إسرائيلية" في عام 2004 حكمًا بسجنه مدة 5 مؤبدات، و 40 سنةً. وبُعيد اعتقاله أسِف رئيس الوزراء الصهيوني الهالك أرييل شارون لاعتقاله حياً، وقال "كنت أُفضِّل أن يكون رمادا في جرة".

ويُحسب للبرغوثي أنَّه ردَّ على القاضي الصهيوني بعد إعلان حكمه بمقولته الشهيرة "إذا كان ثمن حرية شعبي فقدان حريتي، فأنا مستعد لدفع هذا الثمن".

أبو مازن والبرغوثي: أي علاقة؟

السلوك السياسي لقيادة السلطة الفلسطينية وحركة فتح في ظل حكم الرئيس عباس كان يشي بأنَّ أمراً مقصوداً كان يُمارَس ضد البرغوثي بهدف إقصائه عن المشهد السياسي الفلسطيني وقطع الطريق عليه من أن يصبح رئيساً لحركة فتح أو قيادة السلطة الفلسطينية خلفاً للرئيس محمود عباس، خاصة وأنَّ عملية اعتقاله كانت لأسباب نضالية، في ضوء أنَّ أغلب قيادة السلطة الفلسطينية متورطة بعمليات التنسيق الأمني، ورافضة للعمل العسكري أو الانتفاضة في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي فالبرغوثي يمثِّل تطلعات فئة كبيرة من أبناء حركة فتح، ويتقاطع في جوانب مختلفة مع الحركات الإسلامية الفلسطينية.

تمكَّن الرئيس عباس من إطلاق سراح بعض الأسرى الفلسطينيين القابعين خلف القضبان، وكان بالإمكان الحديث عن البرغوثي ضمن مفاوضات الأسرى، لكن ومع الأسف؛ لم يكن البرغوثي واحداً منهم رغم المحكومية الكبيرة التي يقضيها في السجون، واتفقت رؤية الرئيس عباس في عام 2013 مع الرؤية الإسرائيلية التي تقضي بإطلاق الأسرى الذين يعززون مكانة الرئيس عباس في الشارع الفلسطيني، وكان من المتوقع في حينه أن يعمل البرغوثي على استعادة المكانة التي يعتبر أن أبا مازن سلبها منه.

وفي الثالث من ديسمبر 2016م؛ وفي خضمِّ انعقاد مؤتمر حركة فتح السابع؛ حصل مروان على 936 صوتًا، فأضحى مؤهلاً لمنصب نائب الرئيس، بل كان الأقوى لنيل هذا المنصب، لكنَّه تعرَّض لخيانةٍ أخرى وتلقَّى ضربةً موجعةً من اللجنة المركزية لفتح، حيث مارست اللجنة إقصاءً متعمداً بحقه حين وزَّعت المهام على أعضائها، بينما لم تكلِّف البرغوثي الذي حصد أعلى الأصوات بأيِّ ملف داخل الحركة.

وذهبت القيادة إلى أبعد من ذلك حين حاول الرئيس عباس حرمان مؤيديه من تقلُّد المواقع التنظيمية المتقدمة في الحركة، للحيلولة دون تأثيرهم في القواعد التنظيمية. ولعل هذا الإقصاء نابع من طبيعة مخرجات المؤتمر ذاته الذي تعامل مع حركة فتح على أنَّها حزب سياسي وجهاز بيروقراطي وليست حركة تحرر وطني كبقية الحركات الفلسطينية، ومفاد ذلك أنَّ البرغوثي كرجل داعم للمقاومة لا يأتي جزءا من السياق العام لحركة فتح الجديدة التي تتمسك بالسلام كخيارٍ استراتيجيٍ.

ولم يكن ما تحدثت عنه الصحف الإسرائيلية بعيداً عن محاولة الرئيس عباس تحجيم البرغوثي، حيث يعتبر محللون سياسيون "إسرائيليون"، أنَّ الرئيس عباس قرر إبعاد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح مروان البرغوثي عن أي موقع تنظيمي داخل الحركة، تحسباً لغضب "إسرائيل" التي تعتبر أنَّ البرغوثي رمزًا للعمليات المسلحة خلال الانتفاضة الثانية.

صحيح أنَّ قيادة السلطة الفلسطينية دعمت رسميا إضراب الأسرى الذي استمرَّ 41 يوماً (17 أبريل – 27 مايو 2017م) بحكم أنَّه أحد أشكال المقاومة السلمية التي تتبناها السلطة الفلسطينية كخيار استراتيجي في عملية التحرير؛ لكنها في الوقت ذاته كانت قلقة بشكلٍ كبيرٍ، وذلك خوفاً من النتائج الإيجابية التي قد يحققها البرغوثي بما يعزز مكانته كزعيم معتقل في سجون الاحتلال.

وجاء في مقال بصحيفة هآرتس الصهيونية أنَّ البرغوثي الذي يقضي أحكاما بالسجن المؤبد في السجون الإسرائيلية؛ يدرك أنَّ هذا الإضراب "تؤيده السلطة إعلامياً، لكنها قلقة فعليا من كل نتيجة تعزز مكانته".

وأخيراً؛ من المؤسف أن كُـتَّاب مقربين من السلطة الفلسطينية اعتبروا أنَّ البرغوثي أخطأ في إعلان الإضراب المفتوح عن الطعام، في حين زعمت صحف عبرية نقلاً عن مصادر فلسطينية أنّ الرئيس محمود عبّاس والقيادة المُحيطة به ليسوا راضين عن الإضراب إطلاقاً؛ لأنّه يؤثّر سلبًا على لقاء ترامب–عباس في وقت لاحق من الاضراب، ولم تنفك أطرافٌ من اعتبار أنَّ الإضراب عن الطعام نابع من رغبة مروان البرغوثي في تعزيز قوته السياسية على الساحة الفلسطينية، ولذلك تآمرت القيادة الفلسطينية –كما يقول القيادي الفتحاوي سمير المشهراوي- على إضراب الأسرى و تم إيقافه دون أن يجني الأسرى أي نتائج تذكر.