أدت التحولات التي شهدها العالم بفعل الصراعات الداخلية في منطقة الشرق الأوسط وبحث الدول الكبرى عن منافعها خلف تلك الصراعات، إلى نشوب هوية سياسية جديدة للعديد من مناطق النفوذ في العالم، دفعها التغير الأيديولوجي والديمغرافي الذي كان سببه الحروب وملفات مثل الهجرة و"الإرهاب".

كذلك سقوط دول كبرى في الشرق الأوسط مثل العراق، جعل إيران تتمدد عبر دعم ميليشيات في الغالب عربية على حساب أمن الدول والشعوب في المنطقة، الأمر الذي جعل لها كلمة مسموعة في واشنطن وموسكو وأضحت أكبر تأثيراً لدى الغرب من الدول العربية مجتمعة، هذا الأمر جعل لها أهمية كبيرة في تحديد مصير الشعب السوري ومستقبل الدولة الكردية المستقبلية.

 الصراعات في ليبيا والعراق وسوريا وكثير من بلدان الشرق الأوسط، أفرزت ملفين مهمين هما "الإرهاب" و"الهجرة"، نتج عن كليهما تبعات سياسية قاسية على المنطقة، أبرزها دخول العالم الغربي الذي يغلب عليه البناء الأيديولوجي النصراني في حرب صريحة وواضحة مع المجتمعات الإسلامية، وبشكل خاص أهل السنة والجماعة؛ لأن الواقع يؤكد أن الإسلام دين يتمدد ويحاول إعادة ترتيب أولويات الشعوب بعكس الأديان الأخرى التي تتأقلم مع الحالة الاجتماعية للشعوب دون أن تؤثر على أنماط السلوك فيها، هذا الأمر فجَّر في الغرب حالة سياسية جديدة قديمة جرى التخلص منها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية والقضاء على أدولف هتلر والنازية الألمانية، وهي الانكماش إلى الشعبوية النصرانية وتعزيز قوة العرق الأبيض على حساب الأقليات والرجل الملون وخصوصاً المسلم. تم ذلك بإجراءات عدة أبرزها التشريعات القانونية مثل منع ارتداء النقاب، ومحاربة المساجد، وإرهاب المسلمين بمراقبة تحركاتهم والتضييق عليهم، بالإضافة إلى تزايد تغليف ظاهرة التطرف النصراني بكتل سياسية برلمانية تدفع بالمتطرفين إلى منصات الحكم والسيطرة في البلاد، وبذلك خرجت نماذج مثل تريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا ودونالد ترامب الرئيس الأمريكي وكذلك رئيس وزراء المجر فكتور أوربان الذي دعا إلى منع دخول المسلمين بلاده.

في تركيا كانت الأمور تتجه إلى تعزيز الحالة الشعبوية والتضييق على العلمانية التي حكمت الجمهورية منذ سقوط الخلافة العثمانية، لصالح تمكين حزب العدالة والتنمية الذي يتبنى طرحاً إسلامياً على حساب حزب الشعب العلماني وغيره من الأحزاب القومية التركية. حاولت تركيا تبرير تدخلها في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وحيثما تستطيع أن تصل أساطيلها وطائرتها من خلال بوابة الإسلام والمحافظة على روابط الأخوة بين المسلمين، ودفعت بمليارات الدولارات ضمن منظمات النفوذ الناعمة التي صنعتها مثل منظمة "تيكا" التي توزع المساعدات على الفقراء في كل مكان، هذا الدور كانت المملكة العربية السعودية تقوم به ولا زالت على أكمل وجه، لكن الضغوط الأمريكية والغربية أجبرتها على تقليصه بنسبة كبيرة بعد أن أضحى ملف "الإرهاب" مثل بطاقة حمراء يتم رفعها في وجه كل قوة غير مرغوبة حتى على صعيد الدول.

تلك الخطوات - لا سيما بعد محاولة انقلاب يوليو الماضي، واستفتاء شهر أبريل الذي منحت نتائجه رئيس الجمهورية التركية مزيداً من الصلاحيات التي تمكنه من السيطرة على كل مفاصل الدولة - جعلت تركيا أبعد عن حلف "الناتو" وانتهاء دورها المنوط بها كشريك رئيسي في الحلف وبصفتها الحارس المخلص لحدود أوروبا الجنوبية.

كانت الغاية من تشكيل حلف شمال الأطلسي "الناتو" عام 1949 بعضوية 28 دولة بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية حماية أوروبا من نفسها، لا سيما بعد النتائج الكارثية التي تسببت بها الحرب العالمية الثانية، وكذلك إيجاد قوة أوروبية موحدة للتصدي لقوة الروس، لكن التحولات الراهنة وتوجهات واشنطن الجديدة في عهد الرئيس الشعبوي الحالي دونالد ترامب أوجدت حالة ضعف كبيرة في "الحلف"، لا سيما بعد أن طالب ترامب أعضاء الحلف في الاجتماع الأخير الذي عقد في بروكسل مايو الماضي بإنفاق مزيد على الحلف، دون إعطاء ضمانات للأوروبيين بالاستمرار في حماية أمنهم، عقب الاجتماع صرحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قائلة: "أوروبا لم تعد قادرة على الاعتماد على واشنطن ولندن".

في شهر مارس الماضي ناقش وزراء دفاع دول الاتحاد الأوروبي إنشاء مركز مشترك للقيادة وإدارة مهام التدريب العسكري لقوات الاتحاد غير القتالية في الخارج، يعتقد أن الفكرة جاءت لتكون نواة تشكيل جيش أوروبي موحد عقب حالة الضعف التي يمر بها درع أوروبا الحالي "الناتو". وقالت الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني تعقيباً على ذلك: "إن الاتفاق الأوروبي يعد بالفعل خطوة إلى الأمام بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لكنه في المقابل لن يقوِّض عمل الناتو، الذي يمثل القوة الدفاعية الرئيسية لأوروبا".

بدأت أوروبا تنزح إلى هذا الاتجاه عقب الأزمات المتصاعدة مع الجارة تركيا منذ فشل اتفاق اللاجئين الذين نص على منع دخولهم إلى الأراضي الأوربية عبر الحدود التركية مقابل تقديم دعم مادي لتركيا، والسماح للأتراك بدخول أوروبا بدون تأشيرة، لكن القوة الأوربية التي تميل إلى الشعوبية وتخشى أن يتضخم تأثير الأتراك نتيجة هذه الاتفاق عطلته، الأمر الذي دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإطلاق تهديدات واضحة وغير مألوفة في سجل العلاقات الأوروبية التركية، تضمنت فتح الحدود أمام اللاجئين، هذه التهديدات أسست لمرحلة عنيفة من العلاقات انعكست على الجالية التركية في أوروبا وهي جالية ضخمة لها تأثيرها السياسي على المجتمع الأوروبي وخصوصاً في ألمانيا؛ فقد منعت بعض الدول الأوروبية مظاهرات مؤيدة لحزب العدالة والتنمية بالتزامن مع عقد استفتاء التعديلات الدستورية، كما نشرت كثيراً من القصص التي تشوه صورة الرئيس التركي وتتهمه بالإرهاب. أيقنت أوروبا أن وجهة تركيا الحديثة تختلف عن تركيا السابقة التي كانت جزءاً من منظومة أوروبا ومشروعها الأمني، فقد أضحى للدولة توجهات إيديولوجية إسلامية واضحة، وهذا الأمر قد يخرجها في أي لحظة من حلف الناتو.

كذلك أثرت الحالة الاقتصادية المضطربة في العالم الغربي على التزام البلدان الأعضاء بدعم حلف الناتو، الأمر الذي انعكس على قدرته التشغيلية وأداء قواته الميدانية، خصوصاً عقب مرحلة التقشف التي ضربت الجسد الأوروبي عقب أزمة اليونان الاقتصادية. كذلك الحرب الروسية على أوكرانيا وجورجيا واستمرار استنزاف الحلف في أفغانستان دون تحقيق نتائج إيجابية لصالح المشروع السياسي للحلف الذي تسيطر على صناعة القرار فيه واشنطن كونها القوة الأبرز فيه. كذلك بعض القضايا أثرت في مستقبل الحلف مثل انتشار قوة السايبر والمجموعات الصغيرة التي أضحت تؤرق الجيوش التقليدية وتشن هجمات منظمة تشل وتستنزف موارد الدول، مثل هجوم "الفدية" الأخير الذي شل القطاع الصحي في بريطانيا، بالإضافة إلى التحول الديموغرافي في أوروبا وانتشار الشيخوخة وعدم وجود دوافع لإيجاد جيل من المجندين الجدد. بالإضافة إلى صعود بعض القوى في آسيا وأوروبا وتشكل مناطق نفوذ أضحت مؤثرة في مستقبل العالم بخلاف القوى التقليدية القديمة.

عززت تركيا علاقتها بالروس على حساب حلف الناتو، وذلك انطلاقاً من أهمية تلك العلاقة على مصالح تركيا الأمنية والاقتصادية، بالإضافة إلى الدور التي تلعبه روسيا في سوريا وتأثير ذلك على مستقبل الحرب التركية على الإرهاب الكردي، لا سيما عقب طرد القوة الألمانية من قاعدة أنجرليك المقامة على الأراضي التركية، كذلك فإن تركيا سعت إلى تعزيز علاقتها بالقوة الصينية الناشئة؛ ففي عام 2012 أصحبت تركيا شريكاً لمنظمة شنغهاي للتعاون وبدأت في الإعداد لاتفاقية تتضمن بناء خط إنتاج صواريخ باليستية يصل مداها 2500 كلم بالتعاون مع الصين، كما قلصت تركيا دعمها لحلف الناتو بانخفاض زاد عن 53% مقارنة بعام 2004. وكان أردوغان قد صرح بأنه قد يلغي طلب بلاده الانضمام للاتحاد الأوروبي إذا تمت الموافقة على طلب تركيا الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، ومنذ عام 2014 بدأت لجان مالية غربية تتهم تركيا بدعم وتمويل "الإرهاب" من خلال دعمها لعناصر من "القاعدة" في سوريا أو دعم قيادات من حركة حماس الفلسطينية أو السماح لمجموعات إيرانية باستخدام بنوكها لغسيل الأموال، هذا الأمر لم يكن محض صدفة؛ فقد كانت وجهة الأوروبيين والغرب محاربة "داعش" والجماعات المسلحة الأخرى التي يشار إليها على أنها "جماعات إرهابية" ودعم الجماعات الكردية في شمال سوريا، بينما كان هدف تركيا الإطاحة بالنظام السوري ومنع تحقق مشروع الدولة الكردية على حدودها مع سوريا.

 وفي الوقت الراهن حددت أوروبا إجابات واضحة لمستقبل انضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي، تلك الإجابات مستخلصة من توجهات تركيا الحالية التي تختلف تماماً مع وجهة ومصالح أوروبا الأمنية والسياسية، هذه الإجابات ترجمتها ألمانيا واقعاً على الأرض حينما سحبت قواتها من قاعدة أنجرليك إلى الأردن، وفي ذلك إشارة لانتهاء العلاقة بين أوروبا والأتراك إلى غير رجعة.