ثمة فرقاً كبيراً بين الحضور الاقتصادي والسياسي، فالأول تحقق لبعض حلفاء واشنطن من العرب في الصومال من خلال ما يقدموه من دعم مادي ومساعدات إنسانية وتبادل تجاري ومشاريع تنموية وعقود استثمار مختلفة، لكن حضورهم السياسي لم يكن بنفس المستوى المأمول، وذلك على عكس تركيا التي عرفت طريقها نحو تعزيز حضورها في المشهد السياسي الصومالي.

نجاح تركيا فيما فشل فيه بعض حلفاء الغرب من العرب، حول منطقة القرن الأفريقي إلى ساحة صراع بين المعسكرين، لأن تعاظم الوجود التركي في أحد أهم المواقع الاستراتيجية بالنسبة للقارة الإفريقية والشرق الأوسط والعالم، أثار قلق بعض الدول العربية المناوئة للمشروع التركي، وقد أضحت هذه الدول المتحالفة مع الغرب من أشد المنافسين للمشروع التركي هناك.

عمقت الجهود التي تبذلها أنقرة في المجالات الإنسانية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، من صراعها مع المنافسين في الصومال، لأن الدعم السنوي التركي تجاوز حدود الـ 100 مليون دولار مطلع عام 2017، الأمر الذي مكنها خلال سنوات قصيرة، من كسب ثقة الشعب الصومالي وقوى من حضورها في المشهد الصومالي على حساب غيرها من الأطراف التي تعمل وفق رؤية الغرب.

نظرة الاستحسان التي يبدو عليها الصوماليون شعباً وحكومتاً إزاء الدعم التركي في مجالات الصحة والتعليم وكافة قطاعات الخدمات، وكذلك عقود الاستثمارات التي أبرمتها الشركات التركية في الصومال، يقابلها قلق شديد لدى الصوماليين اللذين باتوا يفرقون بين دعم بعض دول المنطقة من العرب في مراحل سابقة ودعمهم في الوقت الحالي، وهذا ما وثقته تقارير إعلامية وشهادات لإعلاميين صوماليين، أكدوا في تقارير مختلفة تشكيكم في دعم حلفاء واشنطن لبلادهم، حتى أنهم وصفوه بالدعم المدفوع الأجر وفق تعبيرهم.

 ولعل هذه التقارير تستند إلى ربط حلفاء واشنطن لأعمالهم الخيرية في الصومال بملفات أمنية تأتي ضد رغبة الحكومة الصومالية، فالأخيرة كانت آخر من يعلم عن القاعدة العسكرية التي أعلن عنها مؤخراً من قبل حلفاء واشنطن في "ميناء بربرة" الذي يخضع لإقليم أرض الصومال المنفصل عن الحكومة الشرعية في مقديشيو، تلك الخطوة التي تم الإعلان عنها في سبتمبر من العام الماضي كانت كفيلة بإفساد علاقات حلفاء الغرب مع السلطات الصومالية.

في هذا السياق تكاد تكون بعض الدول العربية المتحالفة مع واشنطن هي الوحيدة التي تعترف بإقليم أرض الصومال المنفصل عن بقية الاقاليم الصومالية الأخرى منذ عام 1991، وهو ما تعتبره الحكومة الصومالية تعزيزاً للانفصال بين أقاليم الصومال المختلفة.

الأمر الجدير بالذكر أن إقليم أرض الصومال يملك احتياطياً واعداً من النفط يتنازع عليه العديد من الأطراف الدولية والمحلية، فإدارة حلفاء واشنطن لميناء بربرة وسعيهم إلى السيطرة على باقي الموانئ قد يجعلهم الأوفر حظًا للاستفادة من ذلك النفط، وكل ذلك على حساب وحدة الصومال، لأن هذه القوى لن تحصل على كل هذه الامتيازات مع صومال موحد، لذلك أخذت هذه القوى على عاتقها توفير مظلة أمنية لإقليم أرض الصومال في مواجهة الحكومة في مقديشيو، وهو ما دفع حكومة مقديشيو عام 2015 إلى الإعلان عن إجراءات قانونية ضد  هذه القوى، واتهامها بارتكاب انتهاكات حسب القانون الدولي، غير أن هذه القوى المنفذة للسياسة الأمريكية سرعان ما نجحت في تلافي الصدام مع الحكومة الفيدرالية في الصومال عبر تقديمها مزيداً من المساعدات المالية وغيرها من المنح والاستثمارات.

ذلك الانعطاف المهم في موقف هذه القوى تجاه الرئيس الصومالي الجديد "محمد عبد الله فرماجو"، مطلع  إبريل 2017، واستقباله في بعض العواصم العربية أرجعته مجلة defense one"" الأمريكية إلى اهتمام حلفاء واشنطن بمواجهة حضور تركيا المتنامي في الصومال والقرن الإفريقي عموماً، والذي يُنظر إليه على أنه تهديد استراتيجي لحلفائها البريطانيين والأمريكيين.

فيؤكد "أبو بكر عرمان" دبلوماسي أمريكي من أصل صومالي ذلك بالقول، أن تركيا من الجهات الفاعلة بقوة في الصومال من خلال المشاريع الكبيرة التي ترعاها كبناء المستشفيات وشق الطرق، وتوفير المنح الدراسية لآلاف الطلاب الصوماليين، كما أن إعلان تركيا عن البدء في إنشاء قاعدة عسكرية في ديسمبر 2016، بموافقة السلطات الصومالية في مقديشيو يعتبره حلفاء واشنطن تحد جديد لهم يُضاف لتحدي قوة تركيا الناعمة في إفريقيا.

دخل الصراع بين أنقره وحلفاء واشنطن في منعطف جديد بعد نجاح كل طرف في بناء قاعدة عسكرية على الأراضي الصومالية، وما سبق ذلك من حصول شركة "موانئ عربية" منذ قرابة العام على حق امتياز بميناء "بربرة" لمدة ثلاثون عاماً، وأغلب الظن أن هذا الأمر كان قد دفع أنقره إلى توسيع حضورها في الصومال، لكن ما يُميز الحضور العسكري التركي أيضاَ، أن قاعدتها العسكرية في خليج عدن جاءت بموافقة الحكومة الصومالية الشرعية التي رحبت بذلك، كما تضمن الاتفاق بين مقديشيو وأنقره، تدريب الأخيرة لأكثر من 10 آلاف جندي صومالي، وذلك على عكس قاعدة حلفاء واشنطن في "بربره" التي تم إنشاءها لتحقيق مصالحهم في خليج عدن دون النظر لما سيعود على إقليم أرض الصومال، وهذا الأمر ربما يأتي ليفسر تشكيك الاعلاميين الصوماليين وتخوفهم من دعم حلفاء واشنطن لبلادهم ووصفه بـ "المدفوع الأجر".

إن مسألة الاشتباك التركي مع حلفاء واشنطن في المنطقة بدأت تأخذ منحى أكثر خطورة في هذه المنطقة التي تُعتبر من أهم ممرات التجارة الدولية، ويبدو أن حرص المعسكر المضاد لتركيا على انشاء قاعدته العسكرية في ميناء بربره الصومالي يأتي في سياق تأمينها لخطوط الملاحة، وفي نفس الوقت تقديم خدمة لبعض الحلفاء في المنطقة، لأن تعطيل التجارة في هذه الممرات لن يؤثر على طريق النفط الخليجي فحسب، بل سيكون له تداعيات خطيرة على مستقبل قناة السويس، وهذا ما يفسر قلق القاهرة من الوجود التركي في الصومال.

رغم توفر كل مسببات الصراع بين حلفاء واشنطن والأطراف الإقليمية الأخرى في المنطقة لاسيما إيران، إلا أن حضور الأخيرة في الصومال وغيرها من دول القرن الإفريقي لم يكن محل قلق واضح لحلفاء واشنطن، ولم تجد إيران أي منافسة حقيقية أو صراع على النفوذ مع هذه القوى، وذلك على عكس الحضور التركي المدعوم من غالبية قوى العالم السُني، فتوقيع أنقره لعدة اتفاقيات مع السلطات الصومالية وتقديم المملكة العربية السعودية معونة مالية للحكومة الصومالية بقيمة 50 مليون دولار عام 2015، شجع السلطات الصومالية على إغلاق السفارة الإيرانية، كما أوقفت الصومال أنشطة الهلال الأحمر الإيراني ومؤسسة الخميني التي تقوم بنشاطات مختلفة، أهمها التبشير للمذهب الشيعي، كما أن زيارة الرئيس التركي أردوغان إلى مقديشيو دفعت الحكومة الصومالية إلى قطع علاقاتها مع إيران، خصوصاً بعد تعرض  السفارة السعودية للهجوم في طهران يناير 2016.

وبالعودة إلى دعم حلفاء واشنطن في الصومال، فيلاحظ أنه أخذ طابع إنساني ولم تسعى القوى المناوئة للمعسكر التركي إلى المنافسة أو عرقلة الحضور الإيراني هناك، وهو أمر تنبه إليه الأتراك، وربما كان من أهم دوافعهم، لذلك عززوا من التعاليم السُنية عبر المؤسسات الثقافية والتعليمية داخل الصومال فمئات المنح السنوية التي تقدمها تركيا للصوماليين خير دليل على ذلك.

هذا الأمر يقود إلى مسألة تبدو أكثر خطورة، لأن رائحة الصراع الأيديولوجي في الصومال ستظل حاضرة وتزكم أنوف المطلعين على ملفات الاشتباك بين أنقرة والقوى العربية والإقليمية المنفذة للرؤية الأمريكية، فمساعي هذه الأخيرة لعرقلة أو منافسة الحضور التركي لم تكن بحجة منع أنقره من فتح أسواق جديدة لها في إفريقيا، أو عدم تمكينها من السيطرة على خطوط الملاحة التي تُشكل مسألة أمن قومي خليجي وعربي، فالمسألة إذاً تبدو أعقد من ذلك، لأن الحضور التركي في القرن الإفريقي يُفترض أن لا يزعج إلا الكيان الصهيوني وإيران والقوى الغربية، كما أن التنسيق بين تركيا والمملكة العربية السعودية في إطار التحالف الإسلامي يُفترض أن يتقاطع مع المصالح العربية ولا يتعارض مع مساعي القوى السُنية بشأن مواجهة قوات الحوثي في اليمن، أو غيرها من الأطراف التي تهدد الأمن الخليجي.

لذلك فإن الأسباب الحقيقية للصراع بين معسكر واشنطن وتركيا في الصومال، يرجع إلى تزعم تركيا لتيار الإسلام السياسي في المنطقة، فمنذ تراجع دور حركات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، وإفشالها من قبل الأنظمة العلمانية عبر الثورات المضادة، تحاول تركيا أن تضيف إلى جانب قوتها الاقتصادية والسياسية قوة عسكرية تُعزز مكانتها كقوة سُنية معتدلة، وهو ما تعتبره دول معسكر واشنطن تهديد لها ولكافة الأنظمة المناوئة لمعسكر الإسلام السياسي، لذلك لا ترغب هذه القوى بالوجود التركي في الصومال رغم علمها بأنه أفضل مائة مرة من الوجود الإيراني.