د. افرايم كام/ "يسرائيل هيوم"
 

إن حرب الأيام الستة لم تكن الهزيمة الاولى للجيوش العربية، لكنها كانت أصعبها. فلقد فشلت الجيوش العربية في 1948 بمنع اقامة الكيان الصهيوني وتصفيته. لكنه في حينه كان لديها تفسير لذلك: الجيوش كانت نتاج الانظمة العربية القديمة والامبريالية الاوروبية، وكانت تفتقد إلى القدرات العسكرية والمحفزات، واهتم كل نظام عربي بنفسه.

في تشرين اول 1956 هزم الجيش الصهيوني الجيش المصري واحتل سيناء خلال اسبوع. وفي حينه كان لدى مصر تفسير ايضا: مقابل العملية الصهيونية اجتاحت قوات بريطانية ومصرية قناة السويس، واضطر الجيش المصري إلى إخلاء سيناء من أجل الدفاع عن البيت في مواجهة القوات الاوروبية. ولكن في 1967 احتل الجيش الصهيوني سيناء خلال اربعة أيام، وفي المقابل احتل الضفة خلال يومين، وبعدها الجولان. وهذه المرة لم تكن أي ذرائع. فمصر التي قادت التدهور نحو الحرب، بنت جيشا جديدا، مسلحا بأسلحة سوفييتية نوعية، واعدت العالم العربي تمهيدا للحرب، وآمنت بأنها ستنتصر فيها. وكان الفشل متعدد المجالات: عسكري واقتصادي وسياسي.

لقد قادت الحرب إلى انقلاب في الفهم العربي للصراع ضد الكيان الصهيوني. وفهم قادة العرب من هناك وصاعدا ان الكيان الصهيوني قوي من ناحية عسكرية أكثر من أي دولة عربية، بل أكثر من تحالف الدول العربية التي ستخرج للحرب ضدها. في المنظور العربي كان هدف الحرب مختلفا: فحتى حرب الأيام الستة، تم تعريف الهدف على انه "ازالة نتائج 1948" – أي تصفية المشروع الصهيوني. ومن الحرب وصاعدا، تم تعريف الهدف على انه "ازالة نتائج 1967" – أي اعادة المناطق التي احتلها الكيان الصهيوني في 1967 الى أيدي عربية. ولم يتم ذكر تصفية الكيان الصهيوني. لقد كمن التغيير في التنفيذ. فمصر سارت في أعقاب ناصر الذي قال "ما أخذ بالقوة يسترد بالقوة". لكن طريق الحرب لم تكن سهلة. فالجيش المصري لم يستطع الخروج إلى حرب شاملة، وحتى 1973 – حتى ليس إلى حرب محدودة. كما لم يكن بمقدور ناصر السير على طريق السلام، وتم دفعه إلى طريق حرب الاستنزاف، التي حقق خلالها أيضا انجازات طفيفة، بعد ان فاجأ الكيان الصهيوني مصر بالهجمات الجوية في أعماق اراضيها.

هزيمة 1967 قادت السادات إلى طريق مختلفة – طريق "السلام" التي مرت عبر حرب "يوم الغفران". لقد نبع قراره بالتوصل الى سلام مع الكيان الصهيوني، من جملة أمور أخرى، من دروس الحربين. فحرب "الأيام الستة" أقنعته بأن تل ابيب تتمتع بتفوق استراتيجي على الدول العربية، وحرب "يوم الغفران" علمته انه حتى عندما خرجت مصر وسورية إلى الحرب في أفضل الظروف، على جبهتين وبشكل مفاجئ، كان النجاح المصري مختلطا، بينما منيت سورية بالهزيمة. لكن حرب "يوم الغفران" سمحت للسادات بالتوصل إلى السلام ليس من خلال الهزيمة والاهانة وانما بهامة مرفوعة.

الأردن فقد الضفة الغربية إلى الأبد. ففي كل اتفاق مستقبلي لن ترجع الضفة إلى الأردن. لقد رفض الملك حسين في البداية التسليم بفقدان الضفة، وفحص امكانية التوصل إلى اتفاق مع الكيان الصهيوني. إلا أن الفجوة بين الطرفين كانت كبيرة جدا، وفي هذه الأثناء سيطرت القيادة الفلسطينية على قيادة النضال ضد المشروع الصهيوني، وفقد الحسين مواقعه في الضفة، إلى أن تخلى في 1988 عن مسؤوليته عنها وسلمها للفلسطينيين. لاحقا يمكن القول أن الاردن ربح من ذلك، فالأردن بدون الفلسطينيين في الضفة هو كيان اكثر مبلورا، وبدون الضفة توقف التنكر من قبل العالم العربي للأردن. منذ عام 1970 توقفت ايضا المواجهات العسكرية مع الكيان الصهيوني، واصبح توقيع اتفاق سلام بين الاردن و الكيان الصهيوني، والذي تم في 1994، مسألة وقت.

اما سورية فبقيت في المؤخرة. بدون اتفاق سلام وبدون الجولان. لقد فهمت سورية معنى التفوق العسكري الصهيوني، ولذلك كانت الحدود السورية بعد 1967 هي الاكثر هدوء، وبعد فشل إعادة الهضبة إلى سورية في 1973، بقيت الحدود هادئة تماما. لكن حافظ الاسد ارتدع عن الانضمام الى السادات في المضي نحو السلام مع الكيان الصهيوني، وانقطع عن بقية العالم العربي، وفقد الدعم السوفييتي مع انهيار الاتحاد السوفييتي، وماتت فكرة التحالف العربي ضد الكيان الصهيوني. وفي التسعينيات فقط حاول الأسد التوصل الى اتفاق سلام مع الكيان الصهيوني، لكن الوقت كان متأخرا.