حصار للإسلاميين وتقويض للخطاب الدينيّ التوعويّ

 تعرف البرامج التلفزيونية الدينية في الإعلام الجزائريّ، انحسارا مطّردا، ضمن الخطط الإعلامية للبرمجة التلفزيونية، يعود السبب لإرث الحقبة الدموية للعشرية السوداء، والتشويه الممنهج لرجال الدين من قبل التيارات الاستئصالية والعلمانية المنافسة. كما تنحسر مساحة المادة الدينية في الجرائد والإذاعات المسموعة، مقابل المادة الإعلامية غير الدينية، بطريقة لا تلائم الدور المأمول لرجال الدين في الجزائر. تقف وزارة الشؤون الدينية عاجزة عن تقديم مادة دينيّة توعويّة "نشطة"، في ظلّ انتشار برامج التسطيح والتسخيف التي تعرضها بعض القنوات الفضائية الخاصة، بعيدا عن الرقابة الرسمية..

     وبسبب طغيان البرامج غير الدينية على الرسالة الإعلامية في الجزائر، قد يخيّل للمشاهد العاديّ، أنّ الخطاب الدينيّ يقع في خانة الأصوات المكبوتة والطابوهات المحرمة، وهو ما يتناقض مع طبيعة المادة الدينية الثابتة والمقدسّة والمدسترة، والتجربة المرجعية لتحديات ترسيخ الهوية الإسلامية الجزائرية، بعد 132 عاما من الاستعمار. فباستثناء الفقرة التي يقدّمها الشيخ عبد الفتاح مورو من خلال فضائية الشروق الجزائرية، يفضّل الكثير من الجزائريين إعادة متابعة تلك الفقرات الدينية التي كان يقدّمها العلاّمة المصريّ الراحل، الشيخ محمد الغزالي من مسجد الأمير عبد القادر بقسنطينة، لما لتلك المادة الدينيّة المتفرّدة، من دور كبير في رفع مستويات التدين في أوساط الشعب الجزائري.

    يقول الباحث الإسلاميّ محمد منير حجاب، أنّ الكفاءة الاتصاليّة تسهّل عرض البرامج الدينية، وهو ما يقتضي معرفة الداعية لنفسه وقدراته وجمهوره، حتى تنجح المادة الدينية المعروضة في استقطاب المشاهدين، ويعرّف حجاب الإعلام الإسلاميّ بأنه إطار الدعوة المخطط والصادق الواثق من قدراته التأثيرية وسرعة انتشاره، صاحب رسالة هدفيّة بنائيّة ايجابيّة، متوازنة، تراعي خصوصية البعد الغيبي للبرامج الدينية[1]. لكن في المقابل، تكمن الخطورة حسب المفكر السعوديّ الحداثيّ عبد الله الغذّامي في ظاهرة "الفقيه الفضائي" واحتماليّة تحوّل الخطاب الديني المتهم بالتحجّر والانغلاق، من المنبر إلى الشاشة التلفزيونية[2]، وما يمكن أن تؤدّي إليه تلك الظاهرة من نتائج عكسية بالتنفير من التديّن.

    يمكننا أن نبحث عن أسباب تراجع انتشار الإعلام الدينيّ في التجربة الجزائرية، ولماذا تتسع خطابات الإلحاد والأطروحات الغربية في أوساط الشعب الجزائريّ المسلم؟، وما هو السبيل إعادة التفعيل لدور البرامج الدينية في دعوة الأفراد والمجتمع وهدايته إلى الدين القويم، دون صراع أيديولوجيّ أو خلاف عقائديّ؟.

    عندما حكم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الجزائر قبل 18 عاما (أبريل 1999)، كان يعتبر حركة مجتمع السلم "حمس" شريكا أساسيا في الحكم، لأنّه اعتمد على الشيخ الراحل محفوظ نحناح بشكل كبير لإنجاح مبادرتيه للسلم الأهليّ (الوئام المدني عام 2000، المصالحة الوطنية عام 2005)، وبفضل هذا الدور التاريخي، استجاب بوتفليقة لطلب رئيس الحركة الشيخ أبو جرة سلطاني بإعادة رفع الأذان في التلفزيون الرسميّ والإذاعة الوطنيّة، بعد مطالبة الحركة بإلغاء بثّ برنامج ستار أكاديمي الفاضح، كما استحدث الرئيس بوتفليقة جائزة رئاسيّة للقرآن الكريم تبثّ شهر رمضان المعظّم، ولا يزال التلفزيون الرسميّ يبثّ خطبتي الجمعة مباشرة، والذي تحوّل إلى تقليد رسميّ دائم.

   سرّعت التحولات الإقليمية لثورات الربيع العربيّ وتيرة الإصلاحات السياسية في الجزائر، فتمّ إقرار قانون جديد للإعلام سنة 2012، ظهرت على إثره 20 فضائية خاصة، قدّمت للمشاهدين خليطا من المنتوجات الإعلامية غير المدروسة، مما اقتضى ضرورة مراجعة ميثاق الشرف الإعلاميّ، وضبط القنوات الخاصة، التي تقلّص فيها المنتوج الإعلاميّ ذو الطبيعة الدينية، التي يقدّمها رجال دين بمستويات ضحلة، تتخذ من الخطاب الشعبويّ والتسطيح الديماغوجي رفع مستويات المشاهدة، على حساب هدفيّة الرسالة الإعلاميّة الدينيّة.

التلفزيون الجزائري الرسميّ والفضائيات الجزائرية الخاصة.. من الضبط إلى الضغط

 تجربة تلفزيون الوطن ومنع الإسلاميين من استخدام "السلطة الرابعة"

    لاحظ السوسيولوجيّ الجزائري المستقيل من الجامعة الجزائرية، بروفيسور ناصر جابي، ظاهرة تحوّل الصحافة من "المهنة" إلى "الوظيفة"، إذ لم يعد الصحفيّ الجزائريّ ملتزما بأيديولوجيته وفكره وشخصيته، بل مقتنصا للفرص الإعلامية متى سنحت له الفرصة، لذلك تصاعدت الخطابات الإعلامية غير العقلانية، وتمّ توظيفها لشحن الإيديولوجيات ضدّ الخطاب الإسلاميّ. فبخصوص مشكلة ظاهرة اختطاف الأطفال على سبيل المثال لا الحصر، تناغمت مطالب الرأي العام مع الخطاب الدينيّ الرافض لإلغاء حكم الإعدام. ومع ذلك، لم ينجح رجال الدين في شحذ الدعم الكافي للمطالبة بتفعيل حكم القصاص ضدّ مغتصبي ومختطفي الأطفال، لأنّ أصوات الحقوقيين كانت أكثر قوة وتغلغلا في وسائل الإعلام.

    لا يغيّر التلفزيون الجزائريّ الرسميّ ــ الذي يصطلح الجزائريون على تسميته شعبيّا "القناة اليتيمة"ــ، مستوى خطابه الذي تطغى عليه الرسمية المفرطة والديماغوجية الروتينية، وقد هاجر المشاهدون الجزائريون نحو القنوات الفضائية الخاصة، لمتابعة منتوج إعلاميّ مختلف تطبعه التنافسيّة والاستخدام المفرط للتقنيات الحديثة، وعلى الرغم من تشدّد وزارة الإعلام تجاه منع تسيييس المنتوج الإعلاميّ للقنوات الخاصّة، غير أنّ رئاسيات (أبريل 2014) كشفت عن تضييق سلطويّ كبير، راح ضحيته قناة خاصة تتبع حركة حمس، قناة الوطن الفضائية، بحجّة أنها ذات خطّ دينيّ متطرّف، فيما كانت السبب في الواقع، مناقشة ملفات صراع الأجنحة حول ترشيح الرئيس بوتفليقة لعهدة رابعة.

   رغم الطابع السياسيّ لقضية غلق تلفزيون الوطن الإسلاميّ، غير أنّ منع الإسلاميين من تصدّر المشهد الإعلاميّ لا يعود إلى تشدّد وزارة الإعلام، بقدر تشدّد وزارة الداخلية، التي ترفض بشدّة استخدام الدين في السياسة والإعلام. وفي ظلّ تقليص مساحة البرامج الدينية التوعوية، تكاد البرامج الدينية تقترب من الطرح الدروشيّ أحيانا، والتسخيف أحيانا أخرى، في ظلّ استهجان شعبيّ واضح.

 استمرار حصار الجرائد الحرّة، وتحديد الخطاب الدينيّ المكتوب

     يقول وزير الاتصال الجزائريّ الأسبق محي الدين عميمور، أحد أهمّ رموز التعريب في الجزائر، أنّ تعريب الجرائد بعد الاستقلال قد ادّى إلى نتيجة عكسية تماما، وهي هجوم اللوبيات الفرنكوفونية على المادة الصحفية العربية والصحفيين المعربين. ويقتصر الدفاع عن العربية اليوم، على بعض الرموز السياسية، كوزير الثقافة الحاليّ، الشاعر والروائيّ عزّ الدين ميهوبي، وتغيب النخب المعرّبة عن مناقشة قضايا التعريب، بشكل غريب.

    كانت احدى أساليب ضغط اللوبي الفرنكفوني زمن الحرب الباردة، دعوة الأكشاك إلى عرض الجرائد الفرنسية، واخفاء النسخ العربية حتى تزيد المقروئية باللغة الفرنسية وتتراجع متابعة الجزائريين للصحافة والقضايا العربية والإسلاميّة باللغة العربية، أما اليوم، فقد أضحت الأساليب تعتمد على الحداثة والتقنيات التكنولوجية، التي تروّج للتحلّل من الدين، واجهاض مشروعات التعريب في التربية والإدارة الرسميّة، عبر اتهام الإسلام بالماضوية والسخرية من اللغة العربية، واتهامها بعدم قدرتها على استيعاب الحداثة، لأنها "لغة ميتة"؟؟.

    لا يمكن تجنّب قضية التضييق السلطويّ على جريدة الخبر وقناة KBC، اللتين تتبعان مؤسسة واحدة، تعود ملكية غالبية أسهمها للملياردير الشهير، يسعد ربراب، رئيس مجمع سوفيتال لإنتاج الزيت والسكّر الجزائريّ، تعود مسألة إغلاق القناة الأقرب إلى الموضوعية الإعلامية بين قنوات القطاع الخاص، إلى صراع الأجنحة بين مساندي ومناهضي ترشيح الرئيس بوتفليقة إلى عهدة رئاسية رابعة، بسبب وضعه الصحيّ. وقد عادت إلى الأذهان مسألة حضر أسبوعية الأطلس إسلامية، التي أتهمت باقترابها من خطاب حركة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحضورة، وكانت وزارة الداخلية تمتلك ضدّها حججا دامغة، على تشجيع التطرّف الدينيّ زمن العشرية السوداء.

    وقف الصحفيّ اللبنانيّ الراحل جبران تويني على تجربة الحرية في الصحافة الجزائرية، بعد زيارته التاريخية لصحفها الكبرى، وأشار بذهول كبير، إلى تقنية "ديون الطبع" التي تستخدمها السلطة لإجبار الصحف على الخضوع لإرادة السلطة، فرغم إشادته بحرية الصحافة الجزائرية، إلاّ أنّه رفض الاعتراف النهائيّ بهذه التجربة بسبب تبعية الصحف المالية للجباية والتكاليف المطبعية، لذلك نجحت جريدتا الوطن والخبر في افتتاح أول تجربة صحفية حرّة ومستقلة عن المطبعة العمومية، بمطبعة خاصة تعود ملكيتها للمؤسسة الإعلامية نفسها، ولا يمكن للتيارات الإسلامية ان تمتلك مثل هذه المطابع بالطبع.

    قدّمت الجرائد الموضوعية مثل جريدة الخبر مادة دينية عبر صفحاتها، غير أنّ الملاحظ هو السقف المتدني للمقالات المنشورة، التي لا تخرج عن خانة (فقه العبادات)، بل إنّ بعض المقالات التي يكتبها النخبة من الأساتذة الجامعيين والصحفيين البارزين، لا تقدّم فكرا تنويريا أو توعويا مؤثّرا. أما تجربة جريدة النهار وتلفزيون النهار، فهي تسير في خطّ مواز لتجربة مؤسسة الخبر، بسبب اقترابها من الخطاب الرسميّ والدفاع عنه. كما لا يخدم الخطّ الإعلاميّ لمديرة جريدة الفجر السيدة حدة حزام، المادة الدينية في الجريدة، ولو زعمت عكس ذلك، لأنّها توجهّها الحداثيّ واضح في الشكل والخطاب ومضامين المقالات أيضا.

   ساهمت تجربة مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أسسها الشيخ ابن باديس، في تخريج صحافة إسلامية عربية مكتوبة، وهي التي تسجّل استمرارها إلى اليوم عبر أسبوعية البصائر لسان حال الجمعية، إضافة إلى تخريج صحفيين أكفاء، تخرجوا من الجامعة الجزائرية بعد الاستقلال، ساهموا في تطوير اللغة العربية وتقديم برامج دينية إسلامية ناجحة، كما هو الحال مع الإعلامي سليمان بخليلي، مقدّم مسابقة "فارس القرآن الكريم" على فضائية الشروق، والتي سجلت نجاحا كبيرا في أوساط الجمهور الجزائريّ.

    تؤكّد استطلاعات المقروئية بالجزائر، أنّ الكتب الإسلامية وفي مقدمتها كتب الفكر الإسلاميّ، هي الأعلى مبيعا في معارض الكتاب الدولية التي تعقد كلّ سنة في المعرض الدوليّ للكتاب بالجزائر. وهو ما يدلّ على عدم استسلام الجزائريّ للمادة الإعلامية المعروضة، وسعيه إلى الوصول إلى المعلومة الدينية عن طريق القراءة المعرفية، ورفضه الانقياد وراء مضامين الرسائل الإعلامية التسطيحية.

أثر مفارقة تطوّر الوعي الاذاعيّ في التجربة الجزائرية

  سيستغرب المستمتع للإذاعة الوطنية الجزائرية، أنّ مستوى الحرية في الخطاب الإعلاميّ المسموع، أعلى سقفا من النقاشات في الإعلام الرسميّ المرئيّ، ويعود ذلك لعدة أسباب أهمها الأزمة الأمنية (1990 - 2000)، ففي الإذاعة الوطنية القناة الأولى (المعرّبة) والقناة الإذاعية الوطنية الثالثة (المفرنسة)، تقسّم المواد الإذاعية والبرامج بطريقة متساوية، حتى أنّ الحصص والبرامج الدينية تعرف في بعض الأحيان أسقفا من الحريّة يستحيل أن تشاهد لها نظيرا في التلفزيون الرسميّ، لذلك، يفضّل العديد من الجزائريين قراءة الجرائد ومتابعة الراديو، على مشاهدة التلفزيون، ومع ازدياد اقتناء السيارات، يفضّل المستمعون متابع الحصص الدينية عبر الراديو، وهي تكفيهم عن الحصص التلفزيونية.

    تنال المادة الإعلامية الدينية نصيبا أوفر عبر الإذاعة، منها في التلفزيون، إذ تبثّ السور القرآنية في الفترات الصباحية وبشكل دائم في كّل الإذاعات – باستثناء إذاعة البهجة الشبابية المنفتحة على الغرب -، كما يرفع الأذان على مسامع متابعي الراديو عند موعد كلّ صلاة، بما في ذلك الإذاعات المفرنسة، والمفارقة هي أنّ الإذاعات المفرنسة تعرض هي الأخرى موادا وفقرات وبرامج دينية باللغة الفرنسية، بل وباللغة الأمازيغية أيضا، وتقدّم نقاشات جادة ومفيدة للمستمعين، وقد نجحت في استقطاب عدد كبير من المتابعين لها.

    تتميز البرامج الإذاعية بأنها تفاعلية أكثر من البرامج التلفزيونية، وتساعد هذه الظاهرة على مشاركة المواطنين فيها عبر الاتصال الهاتفي والأنترنت، أكثر من البرامج الدينية التلفزيونية، كما أنها تتماهى مع مقاربات التشاركية والتساهمية والقرب والجوارية، التي تقرب رجال الدين من المواطن، وتسمح بمشاركة المواطنين في النقاش عبر الهاتف، وهي من أرقى صور التسيير المحلي لشؤون المتجمعات المتمدنة، باستخدام الإذاعات المحلية.

البرامج الدينية في القنوات الخاصة... بين المبالغة والتسخيف

  رغم افتتاح قناة فضائية جزائرية رسمية رابعة للقرآن الكريم، إضافة إلى إذاعة القرآن الكريم التي تبثّ برامجها على الأثير، يعود لها الفضل الكبير في هجرة قطاع واسع من الجزائريين نحو الإعلام الدينيّ الملتزم، غير أنّ نسب مشاهدة هذه القناة يعدّ ضعيفا،غير أنّ عدم استقرار جودة البثّ، يؤدّي إلى عدم تمكّن الكثير من الجزائريين من متابعة تلك البرامج الدنية الهامة، أو حتى الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم.

    يميل الكثير من الجزائريين المغتربين إلى متابعة قناة القرآن الكريم في الخارج، حيث أنّها تقدّم لهم ما يفتقدونه في المجمعات الغربية الملحدة، وتساعد هذه القناة الدينية الجزائرية قفي تذكير الجزائريين بهويتهم الدينية، كما أنّ القناة الفضائية الجزائرية التي تبثّ بالفرنسية، تبث برامج دينية لتقديم إجابات وفتاوى باللغة الفرنسية لجزائرييي الداخل والخارج على حدّ سواء، تبقى المشكلة، هي تدنّي نسب المشاهدة لهذه القنوات، التي لم تتطور رغم رقمنتها وبثها فضائيا وتسهيل وصولها إلى المشاهد الجزائريّ عبر الأقمار الاصطناعية.

    قدّمت بعض البرامج الإعلامية الاعتيادية في القنوات الفضائية الجزائرية الخاصة، مضامين إعلامية مستفزة للخطاب الديني، وكثيرا ما يقوم ضيوفها بالسخرية من الإسلام وخطابات رجال الدين، ولعل أشهرها استضافة الروائي رشيد بوجدرة، الذي أفصح عن إلحاده ودعا إلى حمايته وأمثاله من الملحدين، لأنهم أقلية في البلاد. خلّفت تلك المحاولات المستفزة ردود فعل شعبية غاضبة، لكنّها لم تتسبّب في معارك إعلامية بين الاستئصاليين الرافضين للإسلام، ورموز التيارات الإسلامية، كما كان منتظرا؟؟.

منافسة اليوتيوب ومواصلة الحصار الإعلامي الحرّ للخطاب الدينيّ

  ظهر إلى العلن فئة من الشباب الجزائريين المتنافسين على تقديم مواد إعلاميّة حرّة، في أكبر مكتبة رقمية للفيديو عبر العالم، قنوات يوتيوب الخاصة، التي يعتمد عليها رواد الانترنت لطرح قضاياهم بطرق ساخرة. بعض هؤلاء الشباب يستخدم أسلوب السخرية من الدين لمهاجمة الأحزاب الإسلامية، وحاز واحد من أهمّ الفيديوهات أكبر نسبة مشاهدة في الجزائر تجاوز (02 مليون مشاهدة) خلال يومين سبقا الاستحقاق الانتخابي في تشريعيات (04 مايو/ أيار 2017) الأخيرة، وتسبّب في تعاطف كبير مع مضمون الفيديو المعنون (مانسوطيش)، تضمّن نقدا صريحا لمشروع الرئيس بوتفليقة لبناء واحد من أكبر المساجد في إفريقيا.

    يقول استطلاع أعدّه مركز مبادرة الإصلاح العربي حول الجزائر، أنّ (الجزائريين الأقلّ عمرا ،هم الفئة الأقلّ رضا على أداء الحكومة)، كما يزداد ابتعاد الشباب الجزائريّ عن الاقتناع بالخطاب الإسلاميّ لعدة أسباب أهمها تفشيّ ظاهرة الفساد، رغم أنّ الإسلاميين لا يعتبرون رمزا للفساد، لأنهم بكلّ بساطة لم يحصلوا خلال فترات استوزارهم القليلة، إلاّ على عدد قليل من الوزارات الحكومية، وقادوا قطاعات وزارية اجتماعية غير سيادية في الغالب؟؟. والحقيقة أنّ بروباغاندا اللوبيّات الفرنكفونية تخوض معركة إعلامية ترويجية، ولا يملك المدافعون عن الإسلام وسائل الردّ الكفيلة بموازنة الموقف.

    تجدر الإشارة إلى انّ الشيخ علي بلحاج، أحد أهم الزعماء الإسلاميين الراديكاليين للجبهة الإسلامية للإنقاذ المحضورة، يستخدم يوتوب لتقديم أفكره السياسية، واستخدام الأنترنت كبديل لطرح مواقف جبهة الإنقاذ المحلة، ولم تقم وزارة الإعلام بالسعي إلى منع هذه الفيديوهات، التي خدمت قنوات فضائية معارضة في الخارج كقناة المغاربية التي تنطلق من لندن، ومع ذلك فإنّ نسب المشاهدة على الأنترنت، وإن علت، تعدّ أقلّ بكثير من متابعة التلفزيون أو الراديو والجرائد الوطنية. 

  


 [1]  محمد منير حجاب، الإعلام الإسلاميّ: المبادئ – النظرية – التطبيق (القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع، 2000)، ص. 57.

[2]   عبد الله الغذّامي، الفقيه الفضائي: تحوّل الخطاب الديني من المبر إلى الشاشة (بيروت – الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2011)، ص. 06.