في الوقت الذي تتعاظم فيه وتيرة الحديث عن "الإرهاب الإسلامي"، ومع تنامي التركيز على مضامين مناهج التعليم والمواد الإعلامية في العالمين العربي والإسلامي بوصفها تمثل "تحريضا" على "الإرهاب"، فإن جدلا صاخبا قد تفجر في الكيان الصهيوني حول دور القادة السياسيين الصهاينة في التحريض المباشر والصريح وغير المسبوق على إبادة الشعب الفلسطيني.

ومن المفارقة، أن الجدل الصهيوني حول هذه القضية لم يتم التطرق إليه من قبل الإعلام الغربي، كما أن معظم وسائل الإعلام العربية مشغولة إما بتبني الرواية الغربية حول مسؤولية المصادر الدينية الإسلامية عن التحريض على "الإرهاب" أو أنها تتخذ موقفا دفاعيا لا يستند إلى أدلة تكشف النفاق الغربي الذي يتجاهل عن قصد مضامين التحريض على الإرهاب ضد العرب في الكيان الصهيوني.

وقد اهتمت النخب الإعلامية والفكرية الصهيونية بانتقال التحريض على العنف والإرهاب من الحاخامات والمرجعيات الدينية إلى المستويات السياسية الحاكمة.

وإن كانت المرجعيات اليهودية قد أصدرت حتى الآن مئات الفتاوى التي تحث على قتل الفلسطينيين وتجيز سلب ممتلكاتهم، إلا أنه حتى وقت قريب لم يحدث أن تم تبني هذه الفتاوى من قبل مرجعيات سياسية تشريعية في الكيان الصهيوني كما يحدث حاليا.

فقد كان هذا تحديدا نائب رئيس البرلمان الصهيوني بتسلال سمورطيتش الذي جاهر بالدعوة إلى شن حرب إبادة لا تبقي ولا تذر ضد الفلسطينيين من أجل إجبارهم على الفرار على اعتبار أن يضمن تحسن بيئة الاستيطان اليهودي.

ولم يتردد سمورطيتش، الذي يعد من قادة حزب "البيت اليهودي"، الذي يقوده وزير التعليم نفتالي بنات في أن يطالب بتطبيق فتوى أصدرها الحاخام موشيه بن ميمون، الذي عاش في القرن الثاني عشر، والذي يطلق عليه اليهود "الرمبام" وتلزم اليهود بأن يعرضوا على غير اليهود الذين يعيشون في فلسطين ثلاث خيارات لا رابع لها، فإما مغادرة البلاد فورا، أو القبول بالعيش كعبيد لليهود، أو أن يتم قتلهم جميعا وضمن ذلك الأطفال والنساء.

وفي خلال ندوة نظمتها مجموعة من نخب التيار الديني الصهيوني في تل أبيب، قال سمورطيتش إنه يتوجب "الاقتداء بما قام به يوشع بن نون ضد العمالقة" قبل ألفي عام عندما خيرهم : إما المغادرة فورا، أو القبول بالعيش في مكانة متدنية عن مكانة اليهود، وفي حال عارضوا ذلك فيتوجب قتلهم".

وأضاف كاشفا نظريته لإبادة الفلسطينيين، قائلا: "يتوجب تطبيق ما نصت عليه المصادر الدينية، ويتوجب قتلهم في حال لم يقبلوا بهذه الشروط".

وعندما سأل الحضور سمورطيتش: "ما إذا كان يدعو لقتل العوائل الفلسطينية وضمنها الأطفال والنساء، رد بالإيجاب، قائلا: في الحرب يجب أن تتصرف كما يجب أن تتصرف في الحرب".

وحول ما مغزى أن يعيش الفلسطيني في "منزلة دونية مقارنة باليهودي، قال سمورطيتش إن "الرمبام يلزم اليهود بتحقيرهم وعدم السماح لهم برفع رأسهم أبدا".

وفي الوقت الذي يصمت الإعلام العربي والغربي، خرج ثلاثة من كبار المفكرين اليهود، وهم: يوسي كلاين، وزئيف شترنهال وتومر بريسكو محذرين من أن ما صدر عن سمورطيش يمثل في الواقع تجسيدا لمرحلة جديدة في الصراع بين الشعب الفلسطيني والحركة الصهيونية، حيث نوه الثلاثة إلى أن تفوهات سمورطيش تمهد لتشريع تنفيذ حرب إبادة ضد الفلسطينيين.

ومما لفت المفكرون الثلاثة الأنظار إلى حقيقة أنه ليس فقط لم يصدر عن المستويات السياسية والحزبية في تل أبيب أي تعقيب أو اعتراض على دعوة سمورطيتش، بل أنهم أشاروا إلى أن وسائل الإعلام الصهيونية كثفت من إجراء الحوارات مع سمورطيتش في أعقاب دعوته لإبادة الفلسطينيين.

لكن التحريض على الإبادة الجماعية والإرهاب لا تتمثل في دعوة سمورطيتش، بل أيضا في رفض زملائه الوزراء والنواب الصهاينة المشاركة في أية فاعلية تعنى بالتنديد بالتنظيمات الإرهابية اليهودية التي تمارس الإرهاب ضد الفلسطينيين.

وقد كشفت صحيفة "هارتس" مؤخرا النقاب عن أن جميع النواب والوزراء الصهاينة رفضوا المشاركة في اجتماع لمناقشة سبل التصدي لمنظمة "شارة ثمن" الإرهابية اليهودية المسؤولة عن عشرات الاعتداءات التي طالبت مساجد الفلسطينيين وكنائسهم وممتلكاتهم وأرواحهم.

وتمارس الحكومة والمؤسسات الصهيونية سلوكا يشجع على الإرهاب ضد الفلسطينيين، سيما المؤسسات القضائية والشرطية التي تتساهل مع قيادات التنظيمات الإرهابية اليهودية.

فعلى الرغم من أن كلا من جهاز المخابرات الصهيونية الداخلية "الشاباك" والشرطة في تل أبيب لديها الكثير من الشواهد التي تؤكد أن مئير إيتنغر هو الذي يقود منظمة "شارة ثمن" إلا أنه لم يتم القاء القبض عليه والتحقيق معه. وقد عرضت قناة التلفزة الصهيونية العاشرة مؤخرا فيلما يظهر فيه إيتنغر وهو يلقي المحاضرات ويشارك في المناشط السياسية والاجتماعية.

ويتجسد التبني الرسمي لخطاب الإرهاب اليهودي في عدم تردد رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو في القاء خطاب في مؤتمر نظمته مؤسسة يديرها الحاخام إسحاك غيزنبيرغ، الذي يعد أهم مرجعيات منظمة "شارة ثمن"، وهو صاحب العديد من "التصنيفات الفقهية" التي تحث على قتل الفلسطينيين.

وإن كان هذا لا يكفي، فقد قامت صحيفة "هارتس" مؤخرا بتوثيق تصريحات لنتنياهو يصف فيها الحاخام دوف ليئور بـ "الكتيبة التي تقود شعب إسرائيل"، على الرغم من أن ليئور يدعو جهارا إلى الفتك بالعرب عامة وذبحهم.

قصارى القول، الخطاب الصهيوني الرسمي بات يتبنى بدون مواربة الدعوة لإبادة الفلسطينيين واجتثاثهم دون أن يترك هذا الأمر أي تأثير على تغطية وسائل الإعلام العربية والغربية.