مع اقتراب شهر رمضان المبارك تتفرغ مكينة الإعلام العربي الرسمي والخاص  على حد سواء، لنشر وبث قائمة طويلة من برامج الترفيه الممنهجة و الممولة من أموال الدولة الرسمية، بمبالغ تصل لعشرات ملايين الدولارات،  وتلك البرامج تتوزع ما بين الدراما التي تتناول الجريمة و المخدرات و قصص العشق و تزوير التاريخ و تشويه الدين، وما بين الإسفاف و التسطيح التي تصل إليه برامج الكوميديا و الفكاهة التي تؤول نتيجتها إلى تسطيح المجتمعات و إلغاء هويتها الفكرية و الثقافية و حتى المساس بعادات وتقاليد و أصول دينية واجتماعية توارثها وتعلمتها أجيال على مدار قرون. والمثير في تلك البرامج أو المسلسلات أنها لا تأتي بعفوية تامة بقدر ما تأتي بمنهجية خبيثة تروج للإباحية والإسفاف وتعاطي المخدرات وتصور المجتمعات العربية على أنها مجتمعات سطحية شهوانية فقدت الشعور بالانتماء للدين والهوية الوطنية والإسلامية.

 وأخطر مرحلة اقتحمها عن قصد الإعلام العربي مرحلة تقليد أو إعادة بث البرامج التلفزيونية الغربية بكل مافيها من شوائب وعلل، سواء كان ذلك على صعيد المسلسلات أو الأفلام أو البرامج التثقيفية التوعوية، حتى أضحى من الطبيعي أن يشاهد المرء طبيب شاب أمريكي يشرح لسيدة أمام الجمهور الطريقة الصحيحة لممارسة العملية الجنسية دون أي اعتبار لنوعية المشاهدين.. وهذا الامر يندرج في إطار كسر حاجز التقليد والعرف والتدين الذي تربت عليه الأسرة المسلمة بهدف تذويبها في بحر من السلوكيات الهوجاء التي تعتمد الفوضوية وهي خلاصة عقود عاشها الغرب تحت ظل العلمانية التي دمرت كل قيمة من قيم الاحتشام والعفاف لدى المجتمعات الغربية.

القضية الأخرى ولا تقل خطورة عن الأولى ويتوغل فيها الإعلام العربي خلال فترة مابعد الربيع العربي، مسألة التطبيع مع الصهاينة واعتبارهم جيران للشعوب العربية و ضرورة الاعتراف بهم كواقع على حساب تضحيات الشعب الفلسطيني، تجسد ذلك الأمر من خلال الكثير من المسلسلات التي بثها التلفزيون المصري  أبرزها مسلسل "حارثة اليهود"، الذي أحال نوعية العلاقات بين اليهود و المسلمين إلى جذور التاريخ الحديث حيث كانت القاهرة تستضيف الآلاف من اليهود وصورهم المسلسل على أساس هويتهم المصرية الصالحة و النقية من الشوائب دون أن يشير المسلسل إلى أن أولئك الأنقياء تحولوا إلى طيارين و ضباط في الجيش الصهيوني وارتكبوا مذابح في سيناء أبرزها مذبحة مدرسة بحر البقر!!

لم تبتعد الدراما العربية عن الواقع الذي تعيشه الأمة المسلمة، وبدأت في تناول قضاياها من خلال الوقوف إلى الجانب المظلم، سواء عبر الدراما التي تصور المسلم عبارة عن كتلة من الجمود والسطحية و التسلط و المعاداة للمجتمع و تصور الطرف الآخر على أنه شيء من الكمال و الحكمة و الجمال و الأدب و النموذج المثالي، تلك الصورة التي يرسمها الإعلام برزت في الكثير من الأفلام و المسلسلات التي لا حصر لها و السبب واضح وجلي هو استهداف الأمة في دينها وبذل كل مستطاع لنسف رغبة التدين في المجتمع و إرباك مساره الفكري و الثقافي الذي هو أساس حضارته و بناءه، و لم تتوقف عند تصدير هذه الصورة النمطية فقط بل ذهبت إلى انتاج دراما تركز على صناعة " القدوة" مثل مسلسل " الأسطورة" الذي نشرته فضائيات مصرية، كان الهدف منه إيجاد البديل المناسب للشباب العاطل عن العمل و المفلس و المتأزم بسبب فشل منظومة الدولة للتصدي مشكلات مثل البطالة و الفقر و انتشار المخدرات، كانت هذه الشخصية هو البطل " محمد رمضان" الذي أضحى رمزاً لتحدي الواقع المرير و أدخل صورة جديدة للنجاح تمثلت في صورة المجرم الناجح الذي اعتمد البلطجة وسيلة للنجاح والبروز في المجتمع.

يناقش الإعلام العربي قضايا مثل تشويه الاحداث الدينية أو الرموز التاريخية ويحاول إرباك ذاكرة المجتمعات المسلمة سعياً لبلورة فكرة جديدة عن معنى الولاء والبراء  في ديننا الحنيف، وسواء قام بذلك من خلال التسطيح و نشر الأكاذيب أو من خلال التزوير فالهدف واضح للعيانة وهو إشغال الأمة عن أولوياتها و تحويلها إلى مجتمعات منقسمة وفاشلة بعيدة كل البعد عن انتمائها لهويتها الدينية و الثقافية.