الحديث عن المقاومة ليس كثيراً على أمة ينتهك أعاديها مقدساتها، ويعبثون بأركان ثقافتها، ويقتطعون أطرافها، ويحتلون ديارها، وينهبون خيراتها، ثم يولون على رقاب كثير من أهلها – غالباً- أخسَّ أبنائها؛ الذين يسيمون الأمة مزيداً من الذلة والهوان؛ كي تظل حبيسة حبال غليظة، ورهينة قيود ثقيلة، بل ومغلولة اليد إلى العنق؛ فلا تقوى حتى على الصراخ!

وحين نقول بأن القراءة فعل مقاومة، والكتابة ممارسة مقاومة؛ والتفكير سلوك مقاومة، فلسنا نخرج هذه الأعمال من سياقها الثقافي والفكري، ولا ننزع عنها المتعة واللذاذة، بيد أننا نستكشف جوانب العزة فيها، ونستلهم ما قد يكون تصرفاً يفوق المدى المنظور إلى آفاق أرحب، ولذا كانت القراءة، والكتابة، والتفكير، أعمالاً بغيضة عند طغاة الأرض، وكم استضافت معتقلاتهم من أربابها؛ وعند الله الملتقى.

ومن البديهي أننا لا نقصد بالمقاومة أي عمل محرم، أو غير مشروع، أو بلا مصلحة. وإنما معناها المراد هنا هو طيف المقاومة الواسع؛ فكل عمل إيجابي يمثل لبنة في بناء المقاومة، وربما يكون المرء في بيته أكثر مقاومة ممن يجول في الميادين؛ وبالتالي فنحن نتلمس المقاومة في كل موسم، وفكرة، وعمل، وقول، ونراها من الصغير والكبير، وعند العصاة والأبرار والمقربين؛ لأنها واجب الوقت، ولازم الحال، وضرورة لا مناص منها للتغيير الإيجابي.

وحين يقترب شهر رمضان المبارك، يبتهج عامة المسلمين له، ويستعدون لحلوله بما يرونه مهماً أو معتاداً، ولا بأس بالحلال المباح ألبتة. ويجتهد آخرون لبيان فضائله وأحكامه، ويحبس العبَّاد أنفسهم في خلوات التعبد والاعتكاف، وحتى أهل الفساد اهتبلوه لترويج محظوراتهم التي توجب عليهم العقوبة؛ لو كان لشرع الله حكم نافذ في بلاده، والله المستعان.

وفي رمضان من زوايا المقاومة الكثير الكثير؛ بل إن الشهر في ذاته يحمل سمات المقاومة، وما أشد وقعه على المرجفين والمنافقين الذين لم يغفلوا عن هذه الصفات في الموسم الميمون، فنازلوه منازلة العدو، وما أموالهم وجهودهم المسخرة لإفكهم وبهتانهم، إلا خير شاهد على ترسخ هذا المفهوم لديهم؛ وإن لم ينطقوا به.

فحين يأتي رمضان يوحِّد أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الصيام والقرآن، وفي اختلاف دخوله تبعاً لمطالع الهلال، توسيع لدائرة الاجتهاد والتعاذر بين أبناء الأمة، وكم حاول الأعادي تمزيق جسد هذه الأمة حتى جعلوها أشلاء متناحرة، وشعوباً متنافرة؛ ليأتي رمضان فيجمعهم على فعل، ونبل، وسمو نفس، وصفاء روح؛ وأعظِم بالاجتماع من مقاومة!

وينغمس المسلمون تبعاً للعالم في كانون ويناير، ولم يعد للتقويم الهجري مكان في التعاملات الرسمية والشعبية إلا ما ندر، بيد أن فرحة المستغربين لا تكتمل بوجود شهر كرمضان، فالسؤال عن الهلالين، وتحري وقتي الغروب وطلوع الفجر، وتسمية رمضان باسمه العربي الإسلامي، يصيب التبعية بمقتل، ويعزز ارتباط الأمة بهجرة نبيها، وتاريخها الإسلامي، وتقويمها العربي، وعسى أن يأتي زمان يكون التأريخ والتوقيت متوافقين مع أحكام شريعة ربنا عز وجل.

ورمضان يجمع أهل البلد الواحد على خير، فالفقير يستفيد من زكاة الغني وجوده، والجاهل يقبس من فهم العالم وحكمته، والعمل الخيري والاجتماعي ينشط بانشراح الصدور وإقبال الناس، وحتى أهل البيت الواحد، وأبناء الجد البعيد، يجدون فسحة من الوقت ليلتئموا حول مائدة، أو في حديث حميم، وإن هذا التماسك والتآزر مما يعزز فينا وصف البنيان المرصوص الذي لا يخترق، ولا يتهدم.

وتصوم المرأة مع الرجل سواء بسواء؛ لها ما له، وعليها ما عليه، بيد أنه يصيبها ما اختصها الله به من حمل ورضاع ومحيض، فيكون لها أحكامها الخاصة؛ التي تراعي أحوالها، وتنشد مصلحتها ومصلحة وليدها، وبالتالي تسقط كل شبه المرجفين، سود الوجوه أتباع اتفاقية السيداو وغيرها من مبتكرات "الرجل" الأبيض الفاجر وأذنابه، لتنأى المسلمة بنفسها ومجتمعها من غوائل كيدهم، ويتيقن الأغرار منهن خاصة أن دين الله يعلو ولا يعلى عليه، فيستقر في روع الفتاة أنها متعبدة في كل شيء لمن صامت له.

ولا تسل عن علاقة عامة الناس بالربانيين من العلماء في رمضان، فدينهم يأخذونه عن العلماء به؛ وليس عن منافق عليم اللسان، أو من أعجمي-أو أعجمية- الفؤاد واللسان. واستمع لصوت دويهم بالقرآن قراءة وترتيلاً، ولاحظ الازدحام في المساجد، والتوافد على الحرمين، والرباط في المسجد الأقصى وأكنافه، وستعلم يقيناً بأن شهر رمضان شهر مقاومة إسلامية شعبية شاملة، وما أحرانا باستشعار ذلك في نوايا العمل الرمضاني الصالح؛ لنغيظ العدو القريب أو البعيد التغريبي، والمتربص، والمعتدي.

وفي تاريخ رمضان من ذكريات المقاومة العبقة ما يفجع دهاقنة النفاق والكفر، فيوم الفرقان ومعركة بدر الكبرى كانت في منتصفه تقريباً، وفتح مكة خلاله، وكثير من المعارك الخالدة وقعت فيه كالقادسية، وفتح الأندلس، والزلاقة، وحطين، وعين جالوت، ولازالت الأمة صائمة عن مثل هذه المآثر، وعسى أن يكون يوم فطرها وعيدها قريباً.

ويشترك مع رمضان غيره من المواسم وشعائر الهدى، فالحج مؤتمر للمقاومة كبير، والحجاب شعار مقاومة أقض مضاجع الديمقراطيات الكافرة، والزكاة فعل مقاومة بالمال ينفي الفقر والعوز، والصدقات والأوقاف ميدان رحب للمقاومة تحمي مشاريع الخير من العثار، وهكذا لو استطردنا، فكل موسم أو عمل يسلِمنا لما بعده؛ وفيه من روح المقاومة ما فيه.

وكم نحن بحاجة لمن يأخذ بيد هذه الأمة؛ بأي طريقة مناسبة يحسنها؛ كي يحيي فيها أحكام الدين الإسلامي تمثلاً واعتزازاً، ويستنهض همتها لخدمة أمة أحمد عليه الصلاة والسلام، فلا أرذل من حياة ليس فيها شيئاً من المعنى الحقيقي للحياة، وإن ديدن المؤمن والمسلم أن يسأل ربه، ويلح بالسؤال؛ لتكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته خالصة لله رب العالمين.