تسفي برئيل/ "هآرتس"

 

 إن فرز الأصوات في ايران لم ينته بعد، لكن التهاني بدأت بالوصول. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فدريكا موغريني، من أوائل المهنئين، للرئيس الايراني حسن روحاني بإعادة انتخابه. كما انضم حكام الكويت وقطر إلى المهنئين، وسيكون غالبية قادة العالم قد شكروا الله لأنه لم يجعل الايرانيين يستبدلون صورة رئيسهم. كما أن السوق المالي في طهران أظهر تفاؤلا عندما ارتفعت الأسعار فيه، بصورة جيدة، واطمأنت الشركات الدولية عندما فهمت بأنها لن تضطر إلى اتخاذ قرارات صعبة، منها على سبيل المثال، تجميد استثماراتها المتوقعة في ايران لو كانت النتائج مختلفة.

كما في كل ديموقراطية غربية، هكذا هذه المرة، أيضا، وكما في انتخابات 2013 وقبلها في 2005، لا يمكن توقع نتائج الانتخابات مسبقا. كما لم يكن بالإمكان معرفة كم ستبلغ نسبة التصويت، والتي فاجأت، حتى الإيرانيين أنفسهم. فلقد تجاوزت نسبة التصويت كل المعطيات الرسمية، ووصلت إلى 75%، أي بزيادة 15% عن الانتخابات السابقة. لقد كان هذا هو النجاح الكبير لحسن روحاني، الذي سعى خلال حملته الانتخابية لإقناع حوالي 40% من الممتنعين بشكل عام عن التصويت. صحيح انه لم يقنع هؤلاء جميعا بالوصول للتصويت، لكن الزيادة الملموسة لعبت لصالحه. فلقد قلصت عدد غير المبالين، وأوضحت بأن غالبيتهم يتواجدون في الجانب الاصلاحي. هذه المشاركة الكبيرة ونسبة الفوز التي وصلت الى حوالي 57% (مقابل أكثر بقليل من 50% في الانتخابات السابقة، وحوالي 39% لمنافسه ابراهيم رئيسي) تدل أكثر من أي شيء آخر، على ان غالبية الايرانيين على استعداد لمنح فرصة اخرى لروحاني.

منح الفرصة يعني الثقة والشرعية بمواصلة طريق الاصلاحات الداخلية وربط إيران بالعالم. ولا يقل عن ذلك أهمية، الرسالة التي حولها المواطنون للنخب المحافظة، ومن بينها الزعيم الروحي، والحرس الثوري والجهاز القضائي، الذين سيكون عليهم ترجمة اختيار الجمهور للاستراتيجية السياسية والدبلوماسية. السؤال الأساسي بالنسبة لهم سيكون كيفية تصنيف فشلهم: هل اختار الجمهور روحاني بسبب الاتفاق النووي، الذي دعمه الزعيم الروحي ايضا، أم انه تم انتخابه من أجل دفع حقوق الانسان، وهو المجال الذي شهد مواجهة بينه وبين القيادة المحافظة. هل يدل التصويت على منح اعتماد اقتصادي للرئيس، ومن هنا سيكون على القيادة الدينية السماح لروحاني بإدارة الاصلاحات الاقتصادية كما يشاء، ام ان هذه النتيجة ناجمة عن عدم نجاح المحافظين بترشيح شخصية بارزة بشكل أكبر، ولها مكانتها، ولذلك فانه لا يجري الحديث هنا عن فشل طريقة النظام وانما فشل شخص فقط، ويمكن تصحيحه في الانتخابات القادمة.

مهما كانت تفسيرات المحافظين لهزيمتهم، فان النتيجة تحتم الان على روحاني استغلال الفرصة الثانية التي حصل عليها، إذا لم يكن يرغب بإنهاء ولايته الثانية والأخيرة كما انهاها الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي، كشخصية ضعيفة، مخيبة للآمال، مهدت الارض لانتخاب احمدي نجاد. روحاني ليس خاتمي. كان يمكن الانطباع من قيادته خلال الحملة الانتخابية التي لم يتردد خلالها بمهاجمة الحرس الثوري وخصومه السياسيين مباشرة، بل المح إلى عيوب طريقة الحكم نفسها. كما عرف روحاني كيف يدير بحكمة المفاوضات مع القوى العظمى في الموضوع النووي. ولا يقل اهمية عن ذلك، تحييد الضغوط التي مورست عليه خلال المفاوضات. صحيح انه يستمتع طوال الوقت بدعم الزعيم الروحي، آية الله علي خامنئي، الذي تبنى الاتفاق النووي كجزء من ايديولوجيته، لكنه من دون روحاني ورجال طاقمه، كان يمكن للمفاوضات ان تنتهي بشكل آخر، وربما من دون اتفاق. المفهوم الغربي يخطئ عندما يدعي انه تم تحديد كل شيء من قبل الزعيم الروحي ولذلك فانه ليس مهما من يكون رئيس الدولة.

لم يكن لكل رئيس اسلوبه الخاص فحسب، وانما، ايضا، مفاهيمه التي حاول تطبيقها. هكذا كان هاشمي رافسنجاني، الذي دفع سياسة السوق الحرة في إيران ووضع قاعدة للعلاقات الخارجية السليمة بين إيران واوروبا. اما خاتمي فقد علم إيران شعار "الحوار بين الثقافات" واقنع خامنئي بالموافقة على تجميد المشروع النووي وبدء حوار مع الولايات المتحدة، وهي المبادرة التي أفشلها الرئيس بوش، بعدم رده عليها. وأظهر احمدي نجاد للمحافظين بأنه يمكن لرئيس منهم ان يسيء أكثر مما يفيد قضاياهم، وأنهى ولايته بتمزق مدوي للعلاقات مع خامنئي. الرئيس في إيران يدير طوال الوقت مفاوضات سياسية مع البرلمان ومع النخب العسكرية، الأيديولوجية والاقتصادية. يمكنه تشكيل تحالف من اجل دفع قضاياها ويجب ان يتمتع بالقدرة على النظر مباشرة في عيون الزعيم الروحي. لقد اظهر روحاني قدرة لافتة في غالبية هذه المجالات، وامام الدعم العام الواسع الذي حظي به، سيكون خامنئي بالذات هو الذي سيضطر إلى الاثبات بأنه لا يعمل ضد ارادة الشعب، أي يعرقل مبادرات روحاني.

نتائج الانتخابات ستتحدى منذ الان، المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة برئاسة ترامب. لقد حصل الاتفاق النووي وعلاقات العالم مع إيران على أربع سنوات أخرى من الاتفاق. هذه فترة مصيرية سيتم في نهايتها انتخاب رئيس ايراني جديد سيحسم في منتصف فترة ولايته كيف وهل سيواصل تنفيذ الاتفاق النووي. إذا كان توقيع الاتفاق النووي في 2015 قد اعتمد في الأساس على استعداد الغرب للثقة بإيران بقيادة روحاني، فسيضطر خلال الفترة القادمة لاستبدال ثقته بإنشاء بنى تحتية سياسة واقتصادية تضمن ليس فقط استمرارية الاتفاق النووي وانما، أيضا، تحييد الطموح الى تطوير السلاح النووي في المستقبل. الان سيكون على دول الغرب، خاصة دول اوروبا، تحويل إيران إلى شريك اقتصادي وسياسي والوقوف في مواجهة سياسة دونالد ترامب المتوحشة التي تتحدث بلغة العقوبات. إيران ستبقى دولة مشبوهة وسيتم اختبارهم تحت المجهر الدولي، ولكن بعد تصريح غالبية الجمهور الايراني بنواياه، حان الوقت لإعادة التفكير بالنموذج الذي صاغته السياسة العالمية تجاهها حتى الان.