من اللافت أن بعض وسائل الإعلام العربية والنخب التي تسير في ركاب الغرب، التي تشن حملة تهدف إلى شيطنة الإسلاميين والتشكيك في الإسلام من خلال ربطه بـ "الإرهاب"، تتجاهل بشكل مريب الدور الذي يلعبه الموروث الديني اليهودي والجماعات الدينية اليهودية ومرجعياتها الدينية ونخبها السياسية في تبنى الإرهاب والحث عليه كوسيلة عمل سياسي مشروع.

ومن المفارقة، أن وسائل الإعلام العربية هذه التي يتوسع بعضها في بث برامج وانتاج وثائقيات حول دور الجماعات الإسلامية في دفع الإرهاب، من خلال عرض صور مجتزأة، تتجاهل الاعترافات الكثيرة واللافتة التي يدلي بها قادة صهاينة محسوبون على التيار الديني اليهودي تقر باعتماد هذا التيار الإرهاب في مواجهة العرب والفلسطينيين، وكل من هو غير يهودي.

فلا يساور رئيس البرلمان الصهيوني الأسبق أبراهام بورغ، وهو متدين، الشك بأن قطاعات واسعة من التيار الديني الصهيوني ومرجعياته لا تحث فقط على الإرهاب، بل أنها تعمل على زيادة تأثيرها على دائرة صنع القرار واتجاهات المجتمع الصهيوني لتوفير بيئة حاضنة سياسية اجتماعية تسمح بتنامي االإهارب أكثر.

وفي الوقت الذي يحلو للبعض لمز مناهج التعليم في العالم العربي والزعم بأنها تعد من منابع دعم الإرهاب، فأن بورغ يحمل المرجعيات الدينية اليهودية والمؤسسات التعليمية التي تديرها المسؤولية عن إرساء دعائم منظومات قيمية تكرس التطرف الديني والقومي وتدفع نحو استسهال قتل غير اليهود والمس بهم.

ويرى بورغ، وهو نجل وزير الداخلية الأسبق يوسيف بورغ، الذي تزعم حزب "المفدال"، الذي كان يحتكر تمثيل التيار الديني الصهيوني، أن منظمة "شارة ثمن" الإرهابية اليهودية، التي تستهدف الفلسطينيين ودور عباداتهم هي نتاج طبيعي للأفكار ومنظومات القيم التي تروج لها مرجعيات التيار الديني الصهيوني.

وفي مقال نشرته صحيفة "هارتس، ضرب بورغ مثالا على الدور الذي تلعبه المرجعيات الدينية اليهودية في إيجاد بيئة اجتماعية تحث على الإرهاب، مشيرا إلى  أن حفلات الزواج التي يقيمها الشباب المتدين تحولت مؤخرا إلى عروض للأسلحة النارية.

وأشار بورغ إلى أن أغنية "الانتقام" للمطرب دوف شورن، التي تحث على "فقع عيون الفلسطينيين باتت هي الأغنية التي تتردد على ألسنة المحتفلين تعبيرا عن الفرح".

ويرى أن  تعمد المستوطنين اليهود من الصهاينة المتدينين "سلب أراضي الفلسطينيين الخاصة تندرج في إطار الترجمة الفعلية للفكر المتطرف الذي ترسخ المرجعيات الدينية المتطرفة، مشيرا إلى أن هذه المرجعيات أسهمت بشكل كبير في تكريس التوجهات العنصرية تجاه العرب.

وتساءل بورغ عما يمكن أن يحدث عندما يتتلمذ الشباب اليهودي المتدين على أيدي الحاخامات الذين يزعمون بأن العرب "شعب يشبه الحمار"، محذرا من  أن "أخطر النجاحات" التي حققتها المرجعيات الدينية اليهودية تمثلت في  إضفاء شرعية على استعجال بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى من خلال التمهيد لنشوب حرب يأجوج ومأجوج.

 وأوضح بورغ أن المرجعيات الدينية نجحت في إذكاء نار الحماس لتدمير المساجد والمحاججة بأن العرب "لا يفهمون إلا لغة القوة"، مشددا على أن هذا الفكر المتطرف هو الذي سوغ إحراق العائلات الفلسطينية، كما حدث في قرية دوما قبل عامين.

ويذهب البرفسور يشاي روزين، أستاذ الفلسفة اليهودية في الجامعة العبرية أبعد مما ذهب إليه بورغ، حيث يرى أن خطورة الصهيونية الدينية تتمثل في أنها تحافظ على تمثيل كبير في الحكومة والبرلمان، مما يعزز من قدرتها على التأثير على دائرة صنع القرارات المحورية.

ويجزم روزين، وهو متدين، بأن التيار الديني الصهيوني الدينية بات يتحكم في تحديد جدول الأولويات الوطني من خلال توظيفه لمشاركته في الحكم، منوها إلى أن نخب الحكم التي تنتمي للصهيونية الدينية تحرص فقط على مصالح القطاعات الأكثر تطرفا في هذا التيار، سيما المستوطنين في الضفة الغربية.

وضرب روزين مثالا على صور من صور توظيف ممثلي الصهيونية الدينية في الحكومة مرافق الدولة في خدمة هذا التيار بآلية عمل ما يعرف بـ "لواء الاستيطان" التابع للحكومة الصهيونية، الذي بات ذراعا لخدمة الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وأداة لمصادرة الأراضي الفلسطينية.

 وحسب روزين، فأنه حسب دراسة أعدها "معهد مولد" فقد تبين أن 74% من موازنة لواء الاستيطان تذهب لدعم البناء في المستوطنات في الضفة الغربية، مشيرا إلى أن مستوطنة مثل "بيت إيل" المقامة على الأراضي الفلسطينية في محيط رام الله تحصل على موازنات تفوق الموازنة التي تحصل عليها أي مجلس محلي داخل الكيان الصهيوني.

ويشير روزين إلى ما يدلل على نفاق أولئك الذين يحثون على تغيير مناهج التعليم في العالمين العربي والإسلامي، حيث يشير إلى المؤسسات التعليمية الخاضعة لسيطرة هذا التيار الديني اليهودي تحصل على حصة من الموازنة تفوق بكثير نسبة الطلاب في هذه المؤسسات مقارنة بعدد مجمل طلاب الكيان الصهيوني.

وشدد على أن الحكومة الصهيونية لا يحق لها التأثير على مضامين مناهج التعليم في المؤسسات التعليمية الخاضعة للتيار الديني الصهيوني على الرغم من المزايا المادية التي تمنحها الدولة لها.

من ناحيته قال الكاتب الصهيوني يوسي كلاين إن التيار الديني الصهيوني بات تهديدا "يفوق  التهديد الذي تمثله الحركات الإسلامية بسبب تعاظم تأثير التيار الديني الصهيوني على مقاليد الأمور في الحكومة والدولة.

قصارى القول، ألا تصلح هذه الشهادات وغيرها الكثير لأن تكون مادة لوثائقيات يمكن لبعض الفضائيات العربية أن تعدها وتبثها عند مقاربتها لفكرة الإرهاب، ولو من باب التوازن في التغطية، هذا إن افترضنا جدلا أن تعاطيها المعوج مع مزاعم "الإرهاب الإسلامي" صحيحة.