أضحى صعود التيار القومي إلى جانب قوى اليمين في أوروبا خطراً يتهدد الكيانات الأوروبية التي نجحت خلال العقود الماضية في تأجيل تلك المخاطر الكامنة والتي من شأنها أن تهدد بنية نظُمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ورغم حرص المملكة المتحدة على تطبيق نموذج الدولة الليبرالية الديموقراطية وإعطاءها الاسكتلنديين قدراً كاف من التحكم في الضرائب والأمور الإدارية العامة داخل حدودهم التي تمثل نحو ثلث مساحة المملكة المتحدة، إلا أن ذلك لم كافيا، ولم يلبي رغبات وتطلعات سكان شمال المملكة المتحدة.

ولم تعد الدولة الديمقراطية الحديثة التي تجلب النظام وتقضى على الفوضى وتحقق الكثير من العدل والمساواة لمواطنيها سبباً كافياً في توحيد الشعوب، لأن طموحات هذه الأخيرة تصل لأبعد من الوقوف عند تلك التعقيدات البنيوية التي فُرضت خلال حقبة تاريخية معينه، فالشعب الاسكتلندي ليس معنياً بحجم المكاسب المادية والمصالح التي تحققت بفعل انضواءه تحت التاج الملكي البريطاني قبل أكثر من 300 عام، لأن طموحات التحرر والحفاظ على الهوية تفوقت على إعتبارات المصلحة.

 إن نظرة الاسكتلنديين الى الإنفصال كما يقول الكاتب الأمريكي " نيل إيروين" في مقالته التي نُشرت في صحيفة نيويورك تايمز، بعنوان "لماذا تريد إسكتلندا الاستقلال"، تعود إلى المكاسب التي ستتحقق إذا حكمهم من يشبههم ويتكلم مثلهم، وهو ما يفوق خسائر الانفصال عن المملكة المتحدة.

وهذا ما يفسر عدم أهتمامهم بربط مصيرهم ومستقبلهم بقرنائهم الإنجليز، خاصةً أن الأخيرة تبحث عن هويتها بعيداً عن الاتحاد الأوروبي، دون التفكير في رغبات شعوب المملكة المتحدة من غير الإنجليز، فالمسار العام بات مختلفاً، لأن مصالح كل قومية أصحبت مختلفة، فإسكتلندا التي فشلت في الاستقلال عن المملكة المتحدة في سبتمبر 2014، وتأثرت بما مُورس عليها من ضغوط وتحذيرات كانت ستكلفها مغادرة الاتحاد الأوروبي، أضحت أكثر تمسكاً الآن بالانفصال، وهذا ما تفسره دعوة رئيسة الحزب الوطني الاسكتلندي ورئيسة الوزراء "نيكولا ستورجن" التي جاءت في ظاهرها رداً على ما اتخذته رئيسة الوزراء البريطانية "تيريزا ماي" الأربعاء الماضي  من إجراءات رسمية حول خروج بلادها من الاتحاد الأوروبي.

إذا كان الإتحاد الأوروبي قد شكل سبباً مهماً في إقناع الاسكتلنديين بالبقاء داخل المملكة المتحدة خلال الاستفتاء الأول عام 2014 ، فإن الاتحاد الأوروبي أيضاً كان من أهم الأسباب التي دفعت الحزب الوطني الاسكتلندي للدعوة إلى الاستفتاء الثاني، لأن ما سيجري على المملكة المتحدة بعد إنهاء إجراءات خروجها منه، يُفترض بالضرورة أن يجري على إسكتلندا التي ستفقد عضويتها داخل الإتحاد الأوروبي.

يبدو أن الحزب الوطني الاسكتلندي قد نجح في إستخدام نفس السلاح الإنجليزي الذي أُستخدم ضده خلال إستفتاء 2014،  فدعوة برلمان "أدنبره" للاستفتاء الثاني جاءت في توقيت حرج بالنسبة للحكومة البريطانية، فبينما كانت رئيسة الحكومة "تيريزا ماي" تستعد للبدء في إجراءات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي "Brexit، كان البرلمان الاسكتلندي قد صوت بغالبية 69 صوتا مقابل 59 لصالح السماح لرئيسة الوزراء "نيكولا ستيرجن" ليطلب منها التقدم بطلب رسمي من الحكومة البريطانية لإجراء استفتاء جديد حول الاستقلال "Scoxit" وذلك قبل 24 ساعة فقط من إجراءات الطلاق الرسمية التي حددتها بريطانيا، وهو ما أثار قلق وارتباك الحكومة البريطانية.

ولا ريب في أن إستفتاء إسكتلندا الثاني يمثل صفعه لبريطانيا، لأن الأخيرة كانت تعتقد أن موقف كيانات المملكة المتحدة تحصيل حاصل، والحقيقة أن الانجليز عندما قرروا الانفصال عن الاتحاد الاوروبي إتخذوا هذا القرار بما يخدم مصالحهم بغض النظر عن مصالح اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، فهذه الكيانات السياسية الثلاث ستكون متضرره، لأنها ستخرج من السوق الاوروبية وقد يكون ذلك على غير رغبتها، كما أنها ستفقد الكثير من الاستثمارات وآلاف الوظائف، فضلاً عن المميزات الاجتماعية والثقافية.

ولعل ما يؤكد تلك النظرة الاحادية لدى الانجليز، هو شعورهم الدفين بالانفراد وعدم الانتماء لأوروبا رغم ما حققوه من مكتسبات لا حصر لها من عضويتهم في الاتحاد الأوروبي، وإذا كانت وكالاتهم السياحية وشركاتهم الاستثمارية تستخدم مصطلح "أورويا" لأنهم يعتبرون أنفسهم من قارة أخرى، فإن لإسكتلندا كل الحق في الدفاع عن قوميتها ومن ثم مصالحها المهمة في أوروبا، وهو ما تتجاهله الحكومة البريطانية، فالتبادل التجاري ولغة الأرقام كفيلة بإظهار حجم الخسائر التي ستتعرض لها اسكتلندا في حال نجاحها في الانفصال عن المملكة المتحدة.

حتى وإن كان تأثير scoxit سلبي على إسكتلندا والمملكة المتحدة في آن واحد، خاصة بالنسبة للاقتصاد الاسكتلندي بشكل أكبر بسبب تفاقم عجز ناتج "أدنبره" المحلي الذي وصل في العامين الماضيين إلى 9.5%، إلا أن الحكومة الإسكتلندية لا تخفي تطلعاتها الساعية إلى تعويض ذلك من خلال عضويتها في السوق الأوروبية، غير أن ذلك ليس بالأمر السهل، لأن علاقة إسكتلندا التجارية بالمملكة المتحدة تبدو أعمق من علاقة الأخيرة بالاتحاد الأوروبي، فصادرات "أدنبره" للمملكة المتحدة تصل إلى 64% من إجمالي صادرات اسكتلندا، في المقابل تصل الصادرات البريطانية للإتحاد الأوروبي إلى 49%، ولا تتجاوز صادرات المملكة المتحدة لإسكتلندا حد الـ 14%، إلا أن عضوية "أدنبره" في السوق الأوروبية يمكن أن تعوض خسائرها الاقتصادية في حال نجاح الانفصال.

على الجانب الآخر يتلخص التخوف البريطاني من نوايا الحكومة الاسكتلندية، الذي عبرت عنه رئيسة الحكومة البريطانية "تيريزا ماي" حينما وصفت طلب إسكتلندا بالاستفتاء، "بالرؤية الأحادية المؤسفة للغاية التي تركز على الانفصال"، في أن نجاح إنفصال إسكتلندا قد يشجع كيانات أخرى للسير على نفس الخطى، فإيرلندا الشمالية وويلز قد يكون لهما نفس التطلعات، وهو ما ينذر بتفكيك المملكة المتحدة التي نجحت لعقود طويلة في الاحتفاظ بخصوصيتها ومميزاتها الجغرافية وحدودها المائية التي تفصل المملكة المتحدة عن مختلف الدول الأوروبية.

لذلك لن تقف المملكة المتحدة مكتوفة الأيدي أمام مطالب الاسكتلنديين المشروعة، وأغلب الظن أنها ستحاول تعطيل عملية الاستفتاء التي يُفترض أن تتم في خريف 2018، وستحاول الحكومة البريطانية إستغلال تلك الاجراءات المعقدة لتعطيل هذا الحدث المفزع بالنسبة لها، وذلك عبر تعطيل إجراءات خيار الاستفتاء، خاصة ً وأن الخطوات القانونية يمكن أن تساعدها على ذلك، فخيار الاستفتاء يحتاج لموافقتها قبل العرض على مجلس العموم البريطاني، وهو ما جاء في حديث الناطق باسم الحكومة البريطانية، الذي أكد على عدم دخول حكومته في مفاوضات مع حكومة إسكتلندا بشأن إجراء إستفتاء جديد على الاستقلال، ما يؤكد على أن الحكومة الاسكتلندية أمام تحد صعب، فهي بحاجة إلى التخلص من عدة عراقيل قبل الوصول إلى المرحلة الحاسمة.