لا يوجد اختلاف حول أن الاستفتاء الذي شارك فيه 85% من 55 مليون تركي يحق لهم التصويت في 16 نيسان 2017 يعد شأناً داخلياً تركياً؛ لكن عالم اليوم الذي نعيش فيه أضحى كل شيء فيه متشابكاً ومتداخلاً ومحكوماً بسلسلة كبيرة من التفاعلات وردود الأفعال المتبادلة؛ خاصة مع دولة لا تعد دولة هامشية بل تقع في مركز تجاذبات الإقليم ومتداخلة في كل التوازنات الدولية. ويكفينا للدلالة على ذلك حجم المتابعة الضخم للاستفتاء ومراحله من الشرق والغرب؛ وخاصة ردود الفعل التي سبقت عملية الاستفتاء بأسابيع؛ وخاصة في الغرب في دول مثل ألمانيا وهولندا والنمسا وغيرها. وقد استخدمت دعاية المؤيدين للانتخاب وعلى رأسها دعاية الرئيس أردوغان وخطابه هو ورئيس وزرائه أسلوب حث الناخب على تأييد الاستفتاء من أجل توسيع خيارات السياسة الخارجية لتركيا وفتح الطريق لها نحو مكانة دولية أفضل.

استطاع الرئيس أردوغان أن يمر بالاستفتاء عبر الشعب بنسبة قليلة وهي 51.4% وكان لهذه النتيجة صدى وردودُ أفعال لعل أهمها جاء من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي هنأ أردوغان بنجاح الاستفتاء وناقش معه أموراً أخرى تتعلق بمستقبل المنطقة، ومن الجدير بالذكر أن القيادة التركية وعلى رأسها أردوغان كانت تتمنى فوز ترامب على كلينتون؛ وذلك نتيجة للاستياء الكبير من قرارات إدارة أوباما في المنطقة عموماً ومن الشكوك حول وقوفها وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 تموز 2016 ومن حمايتها لفتح الله غولن المقيم في بنسلفانيا، وقد رحبت تركيا بشدة بالقصف الذي نفذته واشنطن على مطار الشعيرات السوري عقاباً للأسد على استخدامه السلاح الكيميائي، ولكن كل هذا لا يعني أن العلاقات التركية الأمريكية مفروشة بالورود؛ فما زال هناك خلافات أبرزها حول عملية الرقة ومشاركة القوى الكردية في تحريرها والحل في سوريا بشكل عام.

إن الأمر المهم جداً الذي يكمن في تهنئة أو بعبارة أدق مباركة ترامب لأردوغان بسبب نجاح الاستفتاء أنها تعمل على تهدئة الأوروبيين، على المستوى الرسمي على الأقل، بالرغم من أنها لن تنهي التوتر تماماً، ولكنها ستخفف من الحملة التي بدأ الأوروبيون بشنها قبل الانقلاب، وهذا سيضعف من المحاولات الاستفزازية التي تقوم بها المعارضة التي أعلنت أنها لا تعترف بشرعية الاستفتاء وقدمت طعونات من أجل إبطاله.

وبالنظر إلى موقف دولي مهم، فإن الموقف الروسي قد جاء باهتاً هذه المرة؛ إذ قال متحدث باسم الكرملين إن نتائج الاستفتاء أمر داخلي تركي، وعلى الجميع احترام النتيجة. ولم يعرَف بعد إذا كان الرئيس فلاديمير بوتين قد اتصل بأردوغان للتهنئة أم لا، ولعل هذا يأتي بشكل واضح بعد الموقف التركي الذي رحب بالضربة الأمريكية لنظام الأسد، ولكن روسيا تدرك الخلاف القائم بين تركيا وأمريكا حول سوريا والتعامل مع الأكراد تحديداً ومن جهة أخرى الخلاف التركي الأوروبي؛ فهي ستحتفظ بحبل التنسيق مع أنقرة وقد أعلن في هذا السياق أيضاً أن الرئيس أردوغان سيزور روسيا في ختام جولته التي سيزور فيها الهند والصين في زيارة تحمل طابع التوجه شرقاً، ولكن في الوقت نفسه أعلن عن زيارة للرئيس أردوغان لواشنطن لعقد أول لقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبهذا تكون أول 3 زيارات خارجية لأردوغان بعد الاستفتاء إلى 3 من 5 دول من مجلس الأمن؛ وهذا يعني أنها إلى الدول الكبرى، وفي هذا إشارة كامنة إلى مكانة تركيا المتزايدة على المستوى الخارجي.

ولعل أحد المواقف المهمة أيضاً هو موقف الاتحاد الأوروبي الذي ارتبطت تركيا بمفاوضات طويلة معه من أجل دخول النادي الأوروبي؛ إذ تم الاعتراف بتركيا مرشحاً لدولة كاملة العضوية في عام 1999 بعد تقديمها الطلب في عام 1987 ولعل نتيجة الاستفتاء تصعِّب طريق انضمام تركيا؛ إذ دلت عدة من التصريحات الأوروبية على هذا، وقد كان أصرح الردود موقف وزير الخارجية النمساوي الذي أكد أن الاستفتاء يعزز سلطات أردوغان، وأن هذا لا بد أن يقود الاتحاد الأوروبي على التعامل بصراحة مع تركيا ووقف مفاوضات انضمامها إلى الاتحاد. مع العلم أن البرلمان الأوروبي كان قد أوصى بتجميد المفاوضات بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة وقبل الاستفتاء بأشهر.

وبشكل عام لم تأت أي تهنئة من دول أوروبا؛ بل سادت الانتقادات الموقف واعتبر أعضاء في البرلمان الأوروبي نتيجة الاستفتاء ضربة قاصمة للديمقراطية في تركيا. أما الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي فقد عبر عنه رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يانكر والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فيدريكا موغريني، والمفوض الأوروبي للسياسة الأوروبية للجوار ومفاوضات التوسع يوهانس هان، في بيان مشترك داعين حكومة أنقرة إلى البحث عن أوسع توافق ممكن في ما يتعلق بتطبيق التعديلات الدستورية التي تمت الموافقة عليها في الاستفتاء الشعبي.

أما تقرير بعثة المراقبة الدولية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا فقد كان سلبياً لدرجة كبيرة؛ إذ عقد مراقبو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لمراقبة الاستفتاء مؤتمرًا صحفيًا في العاصمة أنقرة، زعموا فيه أن الاستفتاء "تم في ظل ظروف غير عادلة"، وأنه "متخلف مقارنة بالمعايير الدولية". ولم تأخذ الحكومة التركية هذا التقرير على محمل الجد وانتقدته لأن لجنة الانتخابات العليا في تركيا هي الجهة المحايدة التي يحق لها أن تقرر بحق أي انتخابات في تركيا، وقد أكدت هذه اللجنة شرعية الاستفتاء ونتائجه.

ولعل الموقف الأوروبي الأكثر حكمة كان من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ووزير خارجيتها زيغمار غابرييل، الذين أعلنا احترامهما لقرار الشعب التركي في الاستفتاء داعين إلى الحوار مع جميع الأحزاب السياسية في البلاد ولعل هذا يفسر بعدد الاتراك في المانيا الذي يصل إلى أكثر من 4 مليون كما أن الجالية التركية في ألمانيا رابع أكبر دائرة انتخابية من حيث عددُ الناخبين بعد دوائر إسطنبول وأنقرة وأزمير. ومن أجل إحداث التوازن مع تصريحات صدرت من زعماء أحزاب يمنية في ألمانيا دعت إلى عودة الاتراك الذين قالوا نعم إلى بلادهم.

ومن جهة أخرى لا زالت هناك إشكاليات كبيرة بين الدول الأوروبية وتركيا حيث تسمح عدد من الدول الأوروبية لأعضاء جماعة غولن وأعضاء حزب العمال الكردستاني بالتحرك بسهولة في العواصم الأوروبية وتنفيذ الفعاليات والأنشطة المعادية والمناهضة للحكومة التركية. وبالتأكيد ستكون كل هذه الملفات على طاولة النقاش والحوار في أي لقاء مرتقب بين تركيا والدول الأوروبية المؤثرة وعلى رأسها المانيا وبريطانيا. حيث طالب أكثر من مسؤول تركي القادة الأوروبيين باللجوء إلى العقلانية في التعامل مع ملف دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ومع إدارة العلاقة مع تركيا بشكل عام.

أما على المستوى العربي والإسلامي والخليجي بشكل خاص، فقد تلقت تركيا التهنئة من بعض الدول على رأسها السعودية وقطر والبحرين والكويت وباكستان وفلسطين وقد اتصل بعض الزعماء بالرئيس أردوغان تلفونياً مثل الملك سلمان وأمير قطر الشيخ تميم والرئيس الأذربيجاني والرئيس الفلسطيني ولم تقم عدة دول أخرى بهذا، ولعل هذا راجع إلى التوترات والخلافات السابقة لها مع تركيا. وعلى مستوى السياسة الخارجية من المتوقع أن تصبح خيارات الرئيس التركي أكثر تعددية وكذلك على مستوى الاقتصاد يتوقع وفقاً لخبراء أتراك أن يكون للاستفتاء أثر إيجابي وقد تحسنت الليرة مقابل الدولار مباشرة في اليوم التالي للاستفتاء؛ وهذا سيعكس علاقات جيدة لتركيا مع دول المنطقة وخاصة دول الخليج التي تعمل على تنويع اقتصادها وتطويره.

بشكل عام تهيئ نتيجة الاستفتاء أرضية مهمة لتركيا من أجل توسيع خيارات سياستها الخارجية وتخفف الكثير من القيود البيروقراطية التي كانت مفروضة على صانع القرار التركي، وتعطي دوراً أكبر في تقرير مصير البلاد، وتخفف من  احتمالات الأزمة السياسية الموجودة في هيكل النظام السياسي التركي، ولكن هذا كله سيأتي معه بتحديات جديدة وسيعمل على تكريس بعض التحديات الموجودة على المستوى الدولي والإقليمي.