وفقا للنتائج غير الرسمية لأصوات الأتراك الذين شاركوا في الاستفتاء على التعديلات الدستورية فقد بلغت نسبة المشاركة قرابة 85% من مجموع 55 مليون مواطن يحق له التصويت قرابة 2 مليون منهم خارج تركيا وهي نسبة عالية تدل على وعي المواطن وإدراكه لأهمية صوته في التأثير على النتائج وقد كانت النتيجة 51.41% نعم و 48.59% لا بفارق 1.379 مليون صوت.

ولعل الملاحظ لخريطة تركيا يجد أن المناطق الشرقية والمناطق الغربية قد تميزت بالتصويت لخيار لا للتعديلات الدستورية بينما حافظت كتلة الأناضول على دعمها لتوجهات حزب العدالة والتنمية ورئيسه القادم على الأغلب رجب طيب أردوغان الذي لم يكن مسموحا له وفق النظام البرلماني أن يكون عضوا في أي حزب ولكنه منذ اليوم  أو على الأقل منذ 28 نيسان أي بعد إعلان النتائج في الصحيفة الرسمية أن يعود إلى الحزب الذي أسسه.

نعم لقد صوتت المناطق الغربية بلا وهذا معروف مسبقا حيث أنها قلاع معروفة لحزب الشعب الجمهوري مثل مدينة إزمير على سبيل المثال وكذلك الحال في المناطق الشرقية مثل مدينة ديار بكر ولكن الملاحظ في المناطق الشرقية أنه بالرغم من ان النتيجة الكلية فيها كانت لا إلا أنها شهدت ارتفاع في التصويت لنعم عن نتيجة انتخابات نوفمبر الماضية بنسبة جيدة .

لقد مرت التعديلات الدستورية ولكن النتيجة العامة هي تراجع في نسبة كل من حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية اللذين كانا داعمين أساسيين للتغييرات حيث كان مجموع ما حصل عليه الحزبان في انتخابات نوفمبر هو 11.9+ 49.5  أي 61% تقريبا أما نتيجة الاستفتاء فقد كانت 51% وهذا يعني أن نسبة  الحزبين تراجعت 10% وفيما يحمل أنصار حزب العدالة والتنمية المسؤولية لحزب الحركة القومية بـأنهم لم يستفيدوا منهم سوى 2% بناء على نتيجة الانتخابات السابقة فإن مسؤولين في الحركة القومية ردوا بأن الحزب الكبير هو من يتراجع أكثر والحزب الأصغر يكون تراجعه أصغر وهذا قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في استحقاقات الحركة القومية من دعمها للتعديلات الدستورية وعلى كل حال لولا دعم نواب الحركة القومية في البرلمان لمشروع التعديلات لما استطاع نواب حزب العدالة والتنمية لوحدهم أن يمرروا الاستفتاء للناس ولبقي هذا الحلم حبيس جدران البرلمان.

بالعودة إلى الجغرافيا فإن أهم مدينيتن في تركيا وهما العاصمة السياسية أنقرة والعاصمة التاريخية اسطنبول قد فاجئتا الكثيرين والذين ربما لم يكن منهم قادة حزب العدالة والتنمية الذين يبدو أنهم كانت لديهم معلومات حول تقارب النسب ولكنهم خاضوا المغامرة وهذه شجاعة تحسب لهم ولكن قول العاصمتين لا للاستفتاء جعلت الانتصار وتمرير الاستفتاء باهتا ولكن على أي حال فقد قال الشعب التركي كلمته ولابد من احترامها حتى لو كان الفرق ضئيلا فهذه أول مرة يقول الشعب كلمته فلم يسمح للشعب أن يقول كلمته عندما تم تغيير نظام الحكم من سلطاني إلى برلماني ولم يسمح للشعب أن يقول كلمته عندما كان جنرالات الانقلابات يعدلون الدساتير في الستينيات والثمانينيات كما يريدون ولهذا فإن هذا الدور للشعب التركي يعد أمرا تاريخيا غير مسبوق.

وعند النظر إلى اصوات الأتراك في الخارج وتحديدا في أوروبا فقد استفاد الرئيس أردوغان بعملية المنع التي قامت بها دول مثل ألمانيا و هولندا والنمسا لوزرائه من المشاركة في حملات حث الناس على التصويت وجاءت النتائج إيجابية بشكل كبير لصالح التعديلات ولكن ليس معروفا كيف ستتعامل أوروبا مع تركيا الرئاسية وإن كانت ردود الفعل الأولية تشير إلى استمرار التوتر حيث ما زالت أوروبا تقول إن قرابة نصف الشعب قال لا في حين تتجاهل أن قرابة نصف الشعب قال نعم أيضا في عملية تصويت نزيهة شابها عدد من الأخطاء التي لا تقدح في النتيجة العامة.

على كل حال سيتم تنفيذ التعديلات الدستورية كلها ابتداء من 3 نوفمبر 2019 ولكن 3 تعديلات منها فقط يمكن أن يتم البدء فيها من الغد وهي عودة الرئيس أردوغان إلى حزب العدالة والتنمية و تغيير  بعض أعضاء هيئة القضاة والنيابة بالشراكة بين الرئيس والبرلمان حيث يعين الرئيس 4 منهم ويعين البرلمان 7 منهم . كذلك سيتقرر اخراج الاعضاء العسكريين من المحكمة الدستورية.

ويمكن أن يتم تقديم تنفيذ التعديلات في حال تم التوجه لانتخابات مبكرة وهذا خيار وارد ولكن ليس قريبا جدا ربما مطلع العام القادم.