اندفعت وسائل الإعلام في الغرب تثير البلبلة والقلق في صفوف الأتراك وآخرين بزعم أن منح المزيد من الصلاحيات للرئيس المنتخب رجب طيب أردوغان، سيعيد تركيا إلى عهود ظلامية وسيخيم عليها الاوتقراطية المطلقة والمزيد من القيود على حرية المعارضين و سيمنح الرئيس القوة المطلقة لإسكات الأصوات التي قد تقف في وجهه، لكن تناست تلك الصحافة أن ما يجري هو في الصلب الدستوري التركي، فيوم الأحد القادم إذا صوت الشعب التركي لصالح التشريع الجديد الذي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات رئيس الوزراء تماشياً مع توقعات مراكز دراسات تركية مختلفة، فإن خيبة أمل كبيرة ستصيب صناع القرار في أوروبا و الغرب و الكيان الصهيوني لسنوات، ولا يتعلق الأمر كما يشع بأن تركيا ستتحول إلى سلطنة إسلامية جديدة تحيي التراث العثماني، بل الأمر يتعلق بكون تركيا الجديدة ستكون أكثر قوة لتجاري التحديات الأمنية و السياسية المحيطة بها، و ستكون قطباً جديداً في مسائل مختلفة مثل الملف السوري أو العراقي أو غيرها من القضايا التي يتأثر بها الأمن القومي التركي.

خلال السنوات الماضية كانت لدى أردوغان طموحات كبيرة أظهرها من خلال تصريحاته حول إقامة منطقة آمنة للسوريين، و كذلك طبيعة التحرك الكردي في سوريا و تغول إيران في العراق، لكن كون حكومته مرجعيتها البرلمان بالإضافة إلى وجود معارضة غير هينة و مرتبطة غالباً بأجندة خارجية مثل زعيم حزب الشعوب الكردي الذي اعتقل ووضع في السجن لدعمه حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية بسبب هجماته ضد الجيش و الدولة التركية، كان أردوغان يتروى خوفاً من إرباك الساحة الداخلية و هذا ما حدث في يوليو عام 2016 حينما جرت محاولة انقلاب تستهدف خلعه من الحكم بدعم وحدات من الجيش و معارضين من جماعة فتح الله غولن. نتيجة الاستفتاء إما أنها ستمنح تركيا نظاماً رئاسياً قوياً وإما أن تبقيها في دائرة المهادنة السياسية وتجنب الصدام والمواجهة مع المحيط في ظل ارتباك الساحة السياسية الداخلية.

هناك نماذج سياسية كثيرة للنظام الذي سيصوت له الأتراك، أبرزها الولايات المتحدة التي تمثل القوة الأبرز على وجه الأرض، لكن كون تركيا دول ذات هوية إسلامية فإن نظاماً سياسياً كهذا قد يقطع أدوات الغرب في الداخل التركي، لذلك يحاولون التصدي له بكل قوتهم.

تجاوز أردوغان مطبات أكثر من مرحلة التصويت على الاستفتاء، وفي  الغالب سينتصر في هذه المعركة وسيقتلع كل ما يرتبط للدولة الأتاتوركية من جذوره، لأن ميراث أتاتورك مؤسسة تركيا العلمانية لا يصلح للمجتمع التركي المسلم.

يتغنى الإعلام الغربي دائماً بقضية الزج بالمعارضين في السجون وإقصاء  آخرين، ألا تتعامل الدول الغربية بهذه الطريقة مع الإسلاميين، بالأمس أغلقت فرنسا مسجداً لأنه يناهض النظام العلماني للدولة، وكذلك فعلت الكثير من الدول الأوروبية، أليس من حق تركيا أن تحاسب من يفجرون أنفسهم في المطاعم وثكنات الجيش، وماذا فعلت بريطانيا أيضا خلال مهاجمتها من حركة التحرر الإيرلندية؟! بالأمس القريب قتلت شيلا عبد السلام(65) عاما غرقاً في نهر هدسون بنيويورك، وهي أول قاضية مسلمة من أصول افريقية تعين في هذا المنصب، أليس عليهم أن يخجلوا حينما يُنظروا عن الديمقراطية وخيارات الشعب التركي، بينما هم حتى اللحظة يميزون بين الأبيض والأسود؟!!

أثار أروغان النزعة القومية حينما تحدث عن نازية أوروبا وتحدث عن وقائع حدثت في التاريخ، كذلك تحدث عن الاحتلال الصهيوني وجرائم النظام السوري، والكثير من القضايا التي تتفق عليها الشعوب المسلمة، لذلك يخشى الغرب صعود أردوغان، هم لا يريدون بوصلة توحد الأمة، يريدون استمرار حالة الفوضى والتشتت والضياع لأنها تمثل أفضل طريقة للانتصار وضياع حقوق المسلمين.  قد يذهب البعض للتنظير للديمقراطية كونها وسيلة جيدة لحماية تمثيل الشعب في البرلمان، لكن ماذا ستكون النتائج إن كانت خيارات الشعب تعرضت للسرقة والابتزاز أو خانت ضمائرها وأضحت تشترى وتباع؟!  لقدة تعدت المعارضة التركية حقها في المطالبة بحرية التعبير والحفاظ على هوية الدولة العلمانية إلى حد ممارسة هدم الدولة من خلال التعاطي مع المؤامرة الغربية على بلادهم، واستهداف قيم المجتمع ويسعون جميعاً لأن يتحولوا إلى زعماء مليشيات تحمي وهم العلمانية التركية، ورغم أنهم يتحدثون بلا وعي عن الحرية المطلقة التي يمنحها التشريع الجديد لرئيس الدولة إلا أنهم اغفلوا جوانب مهمة تحد من صلاحيات الرئيس وتقيد تحركاته في إطار الدستور، لأن عدائهم نابع من كراهية وليس من منطق عقلاني مصدر مصلحة الدولة التركية. في الختام هم يرون أن النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأمريكية يحمي الديمقراطية بينما في تركيا فإن نفس النظام سيجرد تركيا من ديمقراطيتها ويعيد الناس إلى عصور الظلام، رغم أنهم يعلمون في قرارة أنفسهم بأن أردوغان من أخرج تركيا من عصور الظلام العسكري..