لم يزهر الربيع العربي بل وجاء بكوارث يختلف الناس في تفسير توابعها وأشارت كل تلك الأحداث التي تلته أننا شعوب لا تزال أسيرة للمستعمر يسيطر عليها بأدواته سواء كانت تمثله حكومات أو حركات فكرية أو ظواهر اجتماعية نعتبرها طوراً من المدنية والعصرنة التي ستغير حالتنا المزاجية وتبقينا تحت تأثير نشوة الإنغماس في قوميتنا المفرطة وتقاليد قبيلتنا التي هي صخرة تتحطم عليها كل العادات الدخيلة، مع تغييب كبير للدين في شؤون حياتنا!!.

  لوعدنا بالتاريخ إلى الوراء سنوات قليلة لوجدنا أن من خرج يتظاهر في تونس أو القاهرة أو ليبيا لم يكن يطالب بجلب الجيش الروسي والأمريكي والمليشيات الإيرانية لتحررنا من الطاغوتية والسلطة القمعية بقدر ما كان يطالب بلقمة عيش وعدالة إجتماعية وحرية تسمح له بأن يصلي في المسجد ويربي لحيته دون ملاحقة أمنية ويجد مشفى في وطنه يستطيع أن يتلقى العلاج فيه ويجد مدرسة لتعليم أبنائه.

كان الموقف الرسمي العربي ولا يزال مخزياً وملؤه الجبن والخوف، تدخلت تركيا في سوريا لتحافظ على أمنها وتلاحق الجماعات الكردية التي تقاتلها في الأراضي السورية، وقصفت العراق بالطائرات لنفس الغاية، لكن 22 دولة عربية لم تستطع ان تحرك ساكناً حينما دخلت مليشيات قاسم سليماني الموصل والفلوجة وحلب وصنعاء، بل التزمت الصمت خوفاً ليس من إيران بل من واشنطن التي تضع حدوداً للتحرك في العالم العربي، ورغم أن واشنطن لديها جبنها الخاص و تخشى أن تخوض حرباً في المنطقة العربية إلا أنها دخلت بجيشها في مناطق يسيطر عليها عملائها من الكرد و الشيعة في العراق، تحت ذريعة محاربة "داعش"، لكن غايتها بناء دولة كردية ستهدد أمن العرب قبل أمن الأتراك وستفرض معادلة جديدة في المنطقة عنوانها الرئيسي زيادة دعم الكيان الصهيوني بقوة علمانية تكره العرب، ذلك الأمر لم يتحدث عنه بيان الجامعة العربية، الذي اكتفى بالإشارة إلى دعم الدول العربية التي تستضيف اللاجئين السوريين، وهذا الأمر إشارة واضحة لدعم النظام الاردني الذي خصص خلال قمة البحر الميت مقعداً للنظام السوري تُرك فارغاً طوال القمة، لكن ماذا بشأن دعم تركيا التي فتحت دراعيها للعراقيين والسوريين؟! أم أن الخصومة مع تركيا باقية وتتمدد تماشياً مع أوامر الحاخام الصهيوني والمتطرف الأمريكي دونالد ترامب، ألم تتعظوا من اجتماع زعماء أوروبا في حاضرة الفاتيكان قبل أيام بمناسبة مرور 60 عاماً على توقيع اتفاقية روما؟!

ورغم أن نائبة وزير الخارجية الصهيوني تسيبي حطوبيلي أكدت قبل أيام أن حكومتها لن تنسحب من الأراضي المحتلة عام 1967م، والموقف الأمريكي الداعم للاستيطان، إلا أن العنوان الرئيسي للبيان الصادر عن القمة وألقاه الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط شدد على أن السلام خياراً إستراتيجياً للعرب وأنهم متمسكون بمخرجات قمة بيروت عام 2002 التي طالبت الكيان الصهيوني بالإنسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 مقابل التطبيع مع العرب. في القدس وأثناء حديث العرب عن تمسكهم بالسلام وبالقرب من باب العمود الذي يبعد عن قمتهم بضعة كيلومترات قتل الجنود الصهاينة بالرصاص السيدة سهام راتب نمر (49 عاماً)، بعد أن قتلوا ابنها مصطفى نمر في سبتمبر الماضي عند حاجز مخيم شعفاط في القدس المحتلة، لكن بيانات العرب أضحت غطاءاً لاستمرار الجريمة الصهيونية، لأنهم يعلمون أن الحرب بين الفلسطينيين والصهاينة حرب طويلة الأمد، فهناك طرف يمده الفئة المؤمنة من أمة المسلمين وفئة يمدها المشروع الغربي بأكمله مع قلة من عملاء الأمة الذين يلبسون الحق بالباطل.

في ليبيا هناك أطرافاً عربية مشاركة في جريمة إغراق المستنقع الليبي في الخلافات والمعارك الداخلية، معارك القبيلة والإقليم  و النفوذ و الولاء، و بتسميات مختلفة تحصد كل جميل في ليبيا، لكن بيان القمة كان منافقاً لهؤلاء ولم يكشف سوءتهم لأن حربهم المسعورة حرب غنائم يستغلون فيها ضعاف النفوس لتدمير ليبيا بأكملها بهدف الحصول على الغاز و النفط في المنطقة الشرقية، لماذا لم يقف بيان القمة على جرائم حفتر و التدخل الأمريكي السافر هناك، أو حتى على القصف الأمريكي الأخير في الموصل و الذي خلف 500 قتيل من المدنيين؟! لماذا عجز لسان العرب عن الطلب من رئيس لبنان المسيحي ميشيل عون أن يوقف ويلجم مليشيات حزب الله التي تقتل المدنيين في سوريا، والذي اعتبر سابقاً الحزب جزء من حالة المقاومة والدفاع عن لبنان!!

سقطات العرب في قمة البحر الميت كثيرة لا تتعلق فقط بسقوط عون على وجهه بل سقوط الزعامات العربية من عقول الناس، لقد أصابوا المجتمعات العربية بخيبة أمل كبيرة، وإن استمر الحضور العربي في السياسة الدولية بنفس المستوى والطريقة أعدكم بأن تحضر تل أبيب اجتماعات الجامعة العربية المقبلة. لقد ركزت مواقع التواصل الاجتماعي في هذه القمة على نشر صور الزعماء الغارقين في نومهم العميق خلال جلسات القمة، وسقطات البعض الآخر، وغلب على التغطية التهكم والسخرية، هذا الأمر يظهر مدى الإحباط من القمة العربية ومدى شعور الجيل الشاب بخيبة أمل بالغة الأثر ستكون شعله لربيع آخر إن لم تستقم الأمور، فقبل أيام صرح يوسي كوهين رئيس الموساد الصهيوني، إن الربيع العربي لم ينتهي بعد، لأنه لا يقرأ بيانات الجامعة العربية بل يقرأ ما تقوله صفحات التواصل الاجتماعي التي تعبر عما يدور في عقول الناس!!