تفاجأت تركيا وكثير من المتابعين في الشرق الأوسط بالخطوة المدروسة التي قامت بها قوات الاتحاد الديمقراطي الكردية بتسليم بعض المناطق في منبج إلى النظام السوري مما يعني أن ذلك تم بالتنسيق مع روسيا وبالتالي لا يمكن لتركيا أن تدخل في مواجهة مباشرة مع روسيا وهذا أدى لتعقيد الموقف التركي.

وجاء ذلك بعد أن سيطرت تركيا من خلال عملية درع الفرات على مدينة الباب وبدأت أعين قيادتها تتجه إلى مدينة منبج حيث يتمركز أعدائها من الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني وقد كانت قد حصلت على وعود من الإدارة الأمريكية السابقة بأن قوات حزب الاتحاد الديمقراطي سوف تنسحب إلى شرق الفرات بعد طرد داعش من منبج ولكن هذا لم يحدث إلى الآن وقد صرح أكثر من مسؤول تركي بأن الهدف بعد الباب هو منبج ولكن  المفاجأة المدروسة والخطوة الذكية جاءت بالمرصاد.

 وفي نفس السياق التركي الروسي الكردي انتشرت أنباء أن الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني وافق على اعطاء روسيا قاعدة للتدريب بالقرب من عفرين على الحدود مع كليس التركية  مما يعني أن هذه القاعدة تقع على الحدود التركية وتشكل تهديدا مباشرا لتركيا وعائقا أمام أي تدخل مستقبلي، وبالرغم من أن روسيا نفت ذلك وقالت أن الأمر لا يتعلق بقاعدة بل بمركز أو شعبة مراقبة فقط إلا أن الجهات الأمنية في تركيا لم تتقبل هذه الرواية بسبب وجود معلومات عن دخول أسلحة وقوات روسية مدرعة إلى عفرين .

أما من جهة أخرى فلم تتلق تركيا ردا بعد عرضها المشاركة في عملية الرقة وذلك خلال الاجتماع الذي ضم رؤساء الأركان الثلاثة التركي والروسي والأمريكي ووفقا لمصادر إعلامية تركية فإن تركيا لم تخرج راضية من الاجتماع في 7-8 مارس.

ومن خلال استعراض ما سبق يمكن القول أن هناك توافق روسي أمريكي على الاعتماد على القوات الكردية كقوة أساسية في عملية الرقة ولكن الذي ما زال غير معلوما هو أن الاعتماد سيكون مشتركا أم سيكون اشتراك الأكراد مع جهة واحدة في عملية الرقة وكل هذا بالطبع سيكون في ظل عدم وجود تركيا !

فالبنسبة للولايات المتحدة فهي غير منسجمة وفي تعبير اخر رافضة لاقتراح تركيا المعروف حول الرقة وهو المشاركة التركية الجوية والبرية في حال استغناء الولايات المتحدة عن التعاون مع القوات الكردية وقد تعدت الولايات المتحدة مرحلة عدم الانسجام إلى مرحلة التسليح الثقيل للقوات الكردية.

كما أن الخيار الأخر الذي تضعه تركيا إن فرض عليها الأمر بضرورة مشاركة قوات الحماية الكردية هو أن يدخل الجيش الحر والقوات العربية بدلا من القوات الكردية إلى الرقة وهو ما لا ترغب به واشنطن أيضا.

 تركيا التي تقف على أبواب مرحلة حساسة تزداد سخونتها مع اقتراب تاريخ الاستفتاء في 16 إبريل ما زالت تنتظر الرد على ما عرضته في اجتماع أنطاليا وهي تحتاج لأن تعرف قرار روسيا والولايات المتحدة حول مشاركتها لأن هذا الأمر يعتبر محددا مهما في رسم السياسة التركية في المدى المنظور.

وقد أعلنت الخارجية الأمريكية أن وزير الخارجية ريكس تيلرسون سيزور تركيا في 30 مارس الجاري وسيلتقي بالرئيس أردوغان وربما نحتاج أن ننتظر لمعرفة نتيجة هذا اللقاء المهم.

ومع هذا ووفق اراء عدد من الصحفيين والمختصين الأتراك الذين لا يفقدون الأمل بورقة التحالف والصداقة مع واشنطن فلا يبدو أن هناك استعداد لتغيير الخطط الأمريكية التي وضعت منذ سنوات والتي تعتمد على قوات وحدات الحماية الكردية خاصة مع وجود عامل زمني لا تريد واشنطن أن تتجاوزه حتى لا تصبح المعارك أكثر تكلفة وأكثر صعوبة. وتشير كل الدلائل حتى الآن إلى خطوتين هامتين تم اتخاذهما فيما يتعلق بشمال شرق سوريا: اعتماد الجيش الأمريكي  بشكل رئيسي على قوات سوريا الديمقراطية التي تشكلها في المقام الأول قوات حزب العمال الكردستاني المنتسبة لوحدات حماية الشعب، من أجل السيطرة على الرقة. وأن يتم ذلك قبل نهاية الصيف ويوجد أحاديث وتسريبات عن أن الهجوم سيكون في منتصف إبريل وهو يتزامن مع الاستفتاء الداخلي في تركيا

ويرى الكاتب التركي مراد يتكن في ظل الواقع الحالي والظروف الراهنة أن هناك  سيناريوهين لاستعادة الرقة من داعش حيث يتمثل السيناريو الأول تحرك الولايات المتحدة مع قوات الحماية الكردية

وفي هذه الحالة، يبدو أن الرقة التي تقع تحت سيطرة داعش منذ شهر يناير 2014 سيتم مهاجمتها من خلال عملية من  القيادة المركزية وقوات الحماية الكردية التي تكون الجسم الرئيسي لقوات سوريا  الديمقراطية ويبدو أن هذا  استمرار لعمل القيادة المركزية الأمريكية في كوباني والحسكة ومنبج.

وقد يكون سبب خلاف الأميركيين مع خطة تركيا أنها ستغير خطة تم التحضير لها على مدار عامين من حيث  الخطة والميزانية التشغيلية  بل أن هذا يمكن أن يفتح طريقا للتشدد في الرفض.

ويعد السيناريو الثاني هو الهجوم على الرقة من روسيا والنظام السوري وقوات الحماية الكردية

قد تقرر قوات النظام السوري المدعومة من روسيا  المرور من  منبج لتمر شرقا إلى  الرقة.و يحدث هذا الموقف مع  اثنين من السيناريوهات الفرعية: وهما انسحاب داعش وسيطرة النظام وانتهاء الأمر أو مقاومة داعش وهذا سيتطلب دعما من القوات الكردية التي تتوق لإعلان حكم ذاتي شمال سوريا وهو ما تدور تسريبات حول وعود روسية بذلك في حال ساندت هذه القوات النظام

تبدو إيران غائبة نظريا في هذين السيناريوهين لكنها حاضرة بقوة حتى أن الأمريكان ربما يفضلون وجود إيران وروسيا والنظام في شمال سوريا لمنع تجدد داعش وتخفيف العبء عن أي دور طويل الأمد لواشنطن في المنطقة، وهذا الأمر يبدو فيه واضحا تجاهل الخطوط الحمراء التركية تجاه الكيان الكردي واحاطتها بتحديات جديدة مما من شأنه أن يجلب مزيد من التوتر في العلاقات التركية الإيرانية والعلاقات التركية الروسية . وربما سيكون هذا في مرحلة ما بعد الاستفتاء

تصبح الأوضاع في سوريا مع التطورات الجديدة أكثر تعقيدا ومع الانتظار الصامت في أنقرة فإن احتمالات عدم  مشاركتها في عملية  الرقة في سوريا تبقى قائمة. خاصة في مرحلة الاستفتاء وحجة تركيا دائما أن أية حلول ترقيعية لا تعتمد على الانسجام مع طبيعة المنطقة العرقية والطائفية لا يمكن أن تدوم ولكن لن تصمت تركيا على أي تمدد لقوات حزب الاتحاد الديمقراطي وهي ما زالت تكثف من دعمها حاليا لقوات درع الفرات حول منبج وفيما لم يكن دخول تركيا في عملية درع الفرات متوقعا بعد حادثة الانقلاب بشهر فإن شعور تركيا بوجود مؤامرة كبرى عليها يبقى عنصرا قد يدفعها لخطوات غير متوقعة..