#اللاجئون_وقود_حروب_إيران

 

لا يعرف أن إيران تركت مأساة داخل الحدود أو خارجها إلا وفاقمتها وعبثت بشبابها في حروبها المجنونة من المحيط إلى الخليج، واللاجئون الأفغان في إيران يدفعون ثمناً باهضاً لحربها القذرة في سوريا.

ومن قبل بدء الحرب يتعرض اللاجئون الأفغان في إيران إلى تمييز عنصري مقيت واستغلال بشع ضمن إجراءات طويلة الأمد للسيطرة على اللاجئين وتقييد حقهم في العمل والحياة، ومنعهم من ممارسة أي أعمال عدا -اليدوية- بدون محلات تجارية إلا ما كانوا فيه متجولين، ويُمنع أطفالهم من الوصول للمدارس الحكومية وحتى أولئك الأطفال الذين تستطيع عائلاتهم دفع أموال التعليم الخاص يتعرضون للتمييز والاضطهاد وأبشع أنواع الانتهاكات، وهذا الأمر ليس محصوراً في اللاجئين بل حتى من الأقليات الأخرى الإيرانية غير الفارسية.

لقد أعدمت إيران منذ بدء الحرب أي فرص للأفغان لتسوية أوضاعهم بشكل دائم في وقت تحظر عليهم حتى وضع اللجوء أو أي وضع قانوني آخر ضمن قوانين البلاد، لذلك يشعرون بشكل دائم أنهم مجرّد "نكّرة" اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، بالرغم من أن الاشتراك الثقافي والعرقي فالأفغان-اللاجئين- معظمهم من "الهزارة"- قومية تعيش وسط أفغانستان وتتحدث الفارسية- ومنهم من "الشيعة"، ويشتركون مع إيران تاريخياً.

على هذه الأوضاع يعيش حوالي 3مليون لاجئ في إيران، حسب تقدير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، ومن أجل تحسين أوضاعهم لجاءوا إلى الطريق الخطر المتطرف، فتقوم إيران بتجنيدهم في محارق الموت التي تنشئها في الدول العربية ليبلغ عدد مقاتليها في سوريا وحدها 20 ألف مقاتل. وتنفي إيران رسمياً أن تكون قد أرغمت الأفغان على القتال مع نظام الأسد في سوريا زاعمةً أنهم يقاتلون تبعاً لانتماءاتهم العقدية والدينية والسياسية، متناسية في نفس الوقت أنها أعلنت عن التحفيز الأعظم بالنسبة لهم بالاعتراف بوضع لجوء دائم لهم في إيران بالإضافة إلى راتب شهري منتظم إن انضموا إلى لواء الفاطميون (5نوفمبر/تشرين الثاني2015م)[1] ويجري التجنيد أساس يومي في مشهد وقم، اثنتين من المدن الإيرانية التي تحوي أكبر عدد من اللاجئين الأفغان. من بين هؤلاء صغار السن الذين تشترط إيران ضمهم إلى لواء الفاطميون موافقة خطية من والديهم، قرابة 1000 من هؤلاء قتلوا في حلب ودرعا، من بينهم أطفال دون 15 عاماً.

وتشير الدوافع الرئيسية للاجئين الأفغان بمن فيهم "الشيعة" الذين يقاتلون في سوريا إلى جانب الميليشيات الإيرانية المساندة للدكتاتور بشار الأسد إلى أنها ليست "دينية" بل اقتصادية وسياسية فرضها وضع اللجوء، ولو أن الأمم المتحدة استطاعت نقل عائلاتهم إلى مناطق للجوء الآمن لتفكك لواء الفاطميون وأصبح رماداً، ومن هذه الدوافع: "الحصول على وضع لجوء دائم لهم وعائلاتهم في إيران، والوعود بأن يتمكن أطفالهم من الدراسة في المدارس التابعة للدولة، ويتمكنوا من ممارسة الأعمال التجارية، وأن يضمنوا مستقبلاً جيداً لهم ولعائلاتهم بدمجهم في المجتمع الإيراني". بعض هؤلاء المقاتلين الأفغان كانوا في سجون النظام بتهم تتعلق بتجارة المخدرات التي تُعاقب بالإعدام-76 بالمائة من السجناء اتهموا بنفس التهمة نصفها تتعلق بشؤون سياسية- وعد النظام بالعفو عنهم بمجرد القتال في سوريا إلى جانب الأسد.

البعض الآخر تعرض للإجبار بالقوة للذهاب من أجل القتال في سوريا، من بين هؤلاء تحدثوا لـ"هيومن رايتس ووتش"[2]، فعائلة غادرت إيران إلى اليونان بعد محاولات النظام الإيراني اجبارها على الذهاب للقتال في سوريا، فيما قال شاب في 17 من عمره: "لم يكن لديه أي فرصه للرفض". وقال بعضهم إنهم أجبروا ـ وأقارب لهم ـ على القتال في سوريا فانتهى الأمر ببعضهم إلى الفرار نحو اليونان أو الترحيل إلى أفغانستان بسبب رفضهم القتال. وآخرون تعرضوا للتهديد بالاعتقال والتجنيد الإجباري وكانت من الأسباب التي دفعتهم إلى مغادرة إيران.

إذاً فليس كل من تعرض عليهم إيران القتال في سوريا يقبلون عرضها، الآلاف تم طردهم بعد أن تم تخييرهم بين "القتال في سوريا" أو "الترحيل" فاختاروا الأخير بالرغم من أن مناطقهم التي آتوا منها ما زالت غير آمنة.

ومع كل ذلك يمارس المرشد الأعلى والقيادات العسكرية في الحرس الثوري، مستوىً عالٍ من الدراما فيتم تشييع القتلى من الأفغان بحضورهم في محاولة لتوجيه النظرية نحو التكافل الإسلامي الشيعي، فيما الحقيقة أنهم حتى لا يدفنون مع الإيرانيين القتلى بل في مقابر خاصة بعيدة التي تتوسع كل يوم.

يشعر اللاجئون الأفغان بالغيض وهم يشاهدون توابيت القتلى تصل بين 10 إلى 15 بشكل شبه يومي إلى "مشهد"، في نفس الوقت هؤلاء المقاتلون في سوريا لا يملكون مناصب قيادية عسكرية عليا، فالمناصب حكراً بجنرالات الحرس الثوري الذي يمسكون القيادة والمناصب الاستشارية ويتركون اللاجئين الأفغان والعرب الشيعة يتقدمون نحو الرصاص، ليحضوا بالنهاية بصورة أنه قُتل في حلب أو في سوريا.

يكرس نظام خامنئي أدواته الطائفية وأوضاع اللاجئين لإحكام سلطته في إيران وصراعاته في الشرق الأوسط، محولاً أزمة اللجوء إلى مكاسب، فمن ناحية يجد المقاتلين للذهاب في معاركه الخاسرة، ومن الناحية الأخرى يحصل على تمويل من الخارج من أجلهم، فعادةً ما تشكو إيران من اللاجئين الأفغان في أراضيها وتطلب من الأمم المتحدة التكفل بتأمينهم الصحي والتعليمي والإغاثة، كما تستمر في مهاجمة كابول بعد أن نددت السلطات الأفغانية بعملية التجنيد القسري للاجئين في أراضيها، حتى قامت باعتقال ممثل خامنئي في أفغانستان غلام علي قربان بور في أغسطس(آب)2016 الذي يوصف بكونه المسؤول عن تجنيد الأفغانيين والزج بهم للقتال في سوريا.

ما يرتكبه خامنئي بحق اللاجئين هو انتهاك للقانون الدولي، بل يتجاوز ذلك الحديث عن مسألة حقوق الإنسان الأكثر كارثية على يد فاشية رجال الدين المعممين الذين لا يعرفون ديناً ولا إنسانية ولا حقوق إنسان، وكل المبررات التي تسوقها آلة الدعاية الفاشية الإيرانية لا تخطى حاجز كونها دائرية، ملتوية توضح الحقائق أكثر مما تغيبها.

لقد تجاهل المجتمع الدولي تلك الانتهاكات لنظام الولي الفقيه بصورة أكثر عدوانية من أجل "الاتفاق النووي" تلك البلورة الذهبية التي اتاحت لنظام إيران العربدة في الشرق الأوسط مستخدماً كل الأدوات القذرة لنيل مبتغاه في تصدير الثورة التي تتآكل وتجعل جسد النظام يعاني، وقريباً سيصاب بشلل دماغي قبل إعلان حالة الوفاة، فمن يرتكب كل هذه الحماقات يؤشر فقط لاقتراب نهايته.

 

 

مصادر:

[1] للاطلاع بشكل أوسع على أوضاع المقاتلين الأفغان في سوريا ومقابلات ضمن تقرير للغارديان:

Afghan refugees in Iran being sent to fight and die for Assad in Syria

https://www.theguardian.com/world/2015/nov/05/iran-recruits-afghan-refugees-fight-save-syrias-bashar-al-assad?CMP=share_btn_tw

[2] نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش مقابلات مع أكثر من 20 لاجئاً أفغانياً وتجنيدهم في سوريا ونشرته في يناير(كانون الثاني) 2015م:

Iran Sending Thousands of Afghans to Fight in Syria

 https://www.hrw.org/news/2016/01/29/iran-sending-thousands-afghans-fight-syria