ها نحن في السنة الثالثة للانقلاب الحوثي واندلاع الصراع الواسع مع الحكومة الشرعية حتى هذه اللحظة، ويبقى سؤال المتابع العادي والمواطن البسيط والمثقف الذي أدمع عينيه ما آل إليه وضع بلده الكريم، ما مستقبل الصراع ؟ من سينتصر ومن سيخسر؟ وإلى أين يتجه اليمن؟، هذه الأسئلة المباشرة تعكس حالة من السأم والأمل في نفس الوقت من الحالة الراهنة لليمن، والإجابة عن سؤال المستقبل واتجاهاته يحتاج إلى تأمل ونظر في الحالة الراهنة وفي خارطة التحالفات ذات الصلة، بل وإجالة النظر في كل ما قد يساعدنا في وضع مقاربة لما يمكن أن تنتهي إليه الأزمة في اليمن.

والحديث عن وضع حالة معقدة كالحالة اليمنية يلخصها الأثر المشهور أنها حالة  "تجعل الحليم  حيران"، وعلى كلٍ نظن أن الأزمة اليمنية يتلخص مستقبلها  خلال العقد القادم في اتجاهين اثنين:

-  مصالحة اضطرار.. وتحول شكل الصراع:

حالة المراوحة في الأماكن أو تحقيق تقدم أو تراجع ميداني غير ذي أهمية، يشكل حالة استنزاف وخسارة متنامية لكلا الطرفين ومن يقف معهما من الحلفاء، حالة الشلل هذه ستدفع نحو محاولات سلام أو مصالحات سياسية مشوهة، ونقول مشوهة لأنها تتسم بأمور منها: إدخال قوى الانقلاب كشريك مؤثر وفاعل في شكل الحكم القادم وتفاصيله، ومساواتهم بالحكومة الشرعية، وأيضًا سيكون حكم توافقي بين أعداء متوافقين، وشركاء متشاكسين، وهذا سينقلنا لفترة اضطراب وتصفيات سيئة بأساليب ناعمة وخشنة أحيانًا.

وقد تشهد هذه الفترة صراعات سياسية وإعلامية حادة وشرسة، ولا يعني هذا سكوت البنادق وتوقف الصراع المسلح، لكنها ستكون فترة يغلب فيها جانب الصراع السياسي على المواجهات المسلحة الواسعة.  

هذا كان الاتجاه أو السيناريو الأول، الذي يمكن أن تصل إليه اليمن خلال العقد القادم، أما الاتجاه الآخر كما نرى من واقع الحال يتجه نحو تشظي دولة القُطر الواحد، إلى دويلات متعددة.

- يمن .. الدويلات المتعددة :

في حال عدم السير نحو الاتجاه الأول وانهيار محاولات المصالحة السياسية، فسيسعى كل طرف للحفاظ على مناطق النفوذ والقوة، والذي يؤيد هذا الاتجاه ويدعمه هو تداخل المصالح الدولية في اليمن وتعارضها، وهو ما يمنع خيار الحسم العسكري لأي طرف من أطراف النزاع، وقد تنقسم اليمن إلى مجموعة دويلات تراوح بين المد والجزر دون تحقيق غلبة طرف على آخر، على الأقل خلال السنوات القريبة القادمة، وهذا الاتجاه هو الواقع فعليًا بغض النظر عن الاعتراف الدولي بالحكومة الشرعية، وما تعانيه قوى الانقلاب بسبب ذلك.

هذين الاتجاهين فيما نتوقع هما الأقرب للتحقق من غيرهما في المستقبل القريب، وحتى تضمن الحكومة الشرعية لنفسها وصول مشرف لأي ميناء قد تتجه  الأزمة اليمنية إليه، لا بد أن تتخذ جُملة إجراءات وسياسات منها  :  

* محاربة الفساد الذي يهددها من الداخل، فهو أخطر من العدو الخارجي وآلم !.

* تقوية الأداء العسكري وبناء أجهزة استخبارات متقدمة، لأن اتجاهات المستقبل في اليمن تشير إلى أهمية هذا المجال العسكري المهم، الذي قد يفوق في أثره العمل العسكري المكشوف.

* الاهتمام بالمناطق المحررة نهضة وحفظًا للأمن وتحقيقًا للاستقرار فيها .

* تغذية الحكومة بكوادر مؤهله ونظيفة، مع تنظيف الحكومة من الفاسدين.

*  الاتجاه نحو بناء تحالفات سياسية واسعة وتصفير المشكلات مع الخارج.

حاولنا في الأسطر السابقة القليلة حصر اتجاهات المستقبل للأزمة اليمنية دون استطراد  و إثقال للمقال وللقارئ، وحتى يسهل على القارئ استيعاب هذين الاتجاهين، وأن لا يتحمس كثيرًا المتوقعون للحسم العسكري من كلا الفريقين، فخيار الحسم العسكري أو انتصار أحد الفريقين بسحقه للآخر، خيار مستبعد لكنه غير مستحيل، إذ الجزم بالغيب ليس من الإيمان ولا الوعي بالوقائع السياسة في شيء، لأن السياسة لا تثبت على شيء والدول لا تستقر على حال.