وردت بعض الأحاديث التي اختلف أهل العلم في صحتها تتحدث عن الجند الغربي وأنه عند الفتنة يسلم منها، وهذه منقبة لهذا الجند بلا شك لذا يحاول الكثير تفسيره تفسيرا يخدم محلته وإن تغاضى في سبيل ذلك عن قواعد التفسير الصحيحة للأحاديث.

روى نعيم بن حماد في الفتن عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَكُونُ فِتْنَةٌ تَشْمَلُ النَّاسَ كُلَّهُمْ، لَا يَسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا الْجُنْدُ الْغَرْبِيُّ» وهذا بلاغ وليس حديثا مسندا.

وقد رواه البزار في البحر الزخار ولفظه: عن "عميرة بن عبد الله المعافري، يقول: حدثني أبي، أنه سمع ابن الحمق، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تكون فتنة أسلم الناس فيها - أو قال: خير الناس فيها - الجند الغربي " قال ابن الحمق: فلذلك قدمت عليكم مصر . وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه بهذا اللفظ إلا عمرو بن الحمق وحده، ولا نعلم له طريقا إلا هذا الطريق، ولا نعلم رواه عن ابن شريح إلا عبد الله بن صالح

وقد رواه الطبراني في الأوسط ولفظه: عن عميرة بن عبد الله المعافري، يقول: حدثني أبي، أنه سمع عمرو بن الحمق، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون فتنة، يكون أسلم الناس فيها، أو قال: خير الناس فيها الجند الغربي» قال ابن الحمق: «فلذلك قدمت عليكم مصر»

لا يروى هذا الحديث عن عمرو بن الحمق إلا بهذا الإسناد، تفرد به: أبو شريح "

وقد رواه الحاكم في المستدرك ولفظه: عن عمير بن عبد الله المعافري، عن أبيه، عن عمرو بن الحمق رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ستكون فتنة أسلم الناس فيها - أو قال: لخير الناس فيها - الجند الغربي «فلذلك قدمت مصر" وقال هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» وعلق عليه الذهبي فقال: صحيح

وخالفه الألباني فذكره في السلسلة الضعيفة بلفظ (تكون فتنةٌ أسلمُ الناس فيها الجند الغربي: يعني في مصر) وقال منكر وأورد من خرجه فقال: "أخرجه البزار في "المسند" (2/261/1656) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (13/432) من طريق عبد الله بن صالح: ثنا أبو شريح عبد الله بن شريح: أنه سمع عميرة بن عبد الله المعافري حدثني أبي: أنه سمع عمرو بن الحمق يقول: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ... فذكره.قال ابن الحمق: "فلذلك قدمت عليكم مصر ".

وقال البزار: " لا نعلم رواه إلا عمرو بن الحمق وحده، ولا له إلا هذا الطريق". قلت: وهو ضعيف؛ عميرة بن عبد الله المعافري هو وأبوه مجهولان لا يعرفان. أما هو، فقد أورده الذهبي في الميزان" وقال: "مصري لا يدرى من هو؟ . قال كاتب الليث: حدثنا أبو شريح ... " فساق

الحديث. وأقره الحافظ. وأما أبوه، فقد أغفلوه، ولم يترجموه، وذكر المزي وتبعه الحافظ في الرواة عن (عمرو بن الحمق) ؛ منسوباً إلى أبيه (عامر المعافري) .

ويتبين من ذلك أن الحديث لا يصح حتى من رواية الحاكم لأن فيه في جميع الروايات عميرة بن عبد الله المعافري عن أبيه وهما مجهولان لا يعرفان كما ذكر الألباني.

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال عميرة بن عبد الله المعافري مصري لا يدري من هو، وكلام الذهبي عن المعافري في ميزان الاعتدال يرد تصحيحه لرواية الحاكم، وبسقوط هذا الحديث من جهة السند يسقط ما ترتب عليه من جهة الفقه غير أن هناك حديثا آخر يتحدث عن أهل الغرب ولفظه: "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق، حتى تقوم الساعة»[1] قال صاحب المسالك في شرح موطأ مالك: "واختلفَ النّاسُ في هذا الحديث، فقال قومٌ: هم أهلُ المغربِ وقال قوم؛ منهم عليّ بن المديني: هم العرب وقال قوم: هم المخصوصون بالجهاد، المثابرون عليه، الذين لا يَضَعُون أسلحتهم، فهم أبدًا في غَزوٍ وفي غَرْبٍ، وهي: الحِدَّة - خرّجه مسلم -، وهذا يكون بجَوْبِ القِفَارِ وخوض البحار، تحقيقًا للموعد الحَقَّ المذكور حين قال - صلّى الله عليه وسلم -: " ناسٌ من أُمَّتِي عُرضُوا عَلَىَّ، يَركبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْر الأَخضَرِ غُزَاةُ في سبِيلِ الله، مثلَ المُلوكِ على الأَسِرَّةِ"، وهذا يدلُّ على تحقيق الموعد من وراءِ البحار"[2]،وفي إكمال المعلم بفوائد مسلم: " وفى رواية: " لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ": قال على بن المدينى: هم العرب. والمراد بالغرب: الدلو الكبيرة لاختصاصهم بها، وقيل: إنه على ظاهره، وإنما أراد غرب الأرض، قال معاذ فى الحديث: " وهم بالشام "، وقد جاء مفسرًا فى حديث رواه الطبرى: " ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس "، وقيل: هم أهل الشام وما وراء ذلك، وقيل: المراد بأهل الغرب: أهل الشدة والجلد. وغرب كل شىء حده"[3]، وفي مطالع الأنوار على صيح الآثار: "قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَتي ظَاهِرِينَ وهُمْ أَهْلُ الغَرْبِ" و"لا يَزَالُ أَهْلُ الغَرْبِ" (4).

قال يعقوب بن شيبة: عن علي بن المديني: "الْغَرْبُ" هاهنا الدلو، وأراد العرب؛ لأنهم أصحابها والمستقون بها, ليست لأحد إلَّا لهم ولأتباعهم. وقال معاذ: هم أهل الشام، فحمله على غرب الأرض، والشام غريب الحجاز. وقال غيره: هم أهل الشام، وما وراءه. وقيل: المراد فيه: أهل الحدة والاستنصار في الجهاد ونصر دين الله عز وجل، و"الْغرْبَ: الحدة"[4] ويتبين من ذلك أن حمل لفظ الجند الغربي أو أهل الغرب على الجيش المصري لتسويغ قتله المخالفين لنظام الحكم أو معارضيه الذي يحكم بالقوانين الوضعية ويوالي أعداء الله أمر فاسد ولا يصلح أن يعارض به الأدلة الكثيرة المتكاثرة من الكتاب والسنة التي تبين عصمة دم المسلم وتحرم سفك دمه وتبين بطريقة واضحة لا تحتمل الالتفاف عليها المسوغات الشرعية في إباحة دم المسلم كما في قوله صلى الله عليه وسلم الذى رواه الشيخان البخاري ومسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة "

 


 


[1] أخرجه مسلم في صحيحه برقم 177 وغيره

[2] المسالك في شرح موطأ مالك 5/25

[3] إكمال المعلم 6/348

[4] مطالع الأنوار على صحاح الآثار 5/134