في الوقت الذي يبدي العالم العربي زهداً في محاولة التأثير على مجريات الأمور في سوريا، سيما طابع التسوية السياسية التي يمكن أن يتم التوصل إليها، فقد برز بشكل خاص تحرك صهيوني واضح يهدف للضغط على القوى الدولية الأكثر تأثيراً على مجريات الأمور في بلاد الشام بهدف إقناعها بأن تراعي أية تسوية مستقبلية للصراع هناك المصالح الصهيونية والخطوط الحمراء التي تراها تل أبيب.

ومما زاد من مستوى الدافعية لدى الكيان الصهيوني للتحرك العاجل للتأثير على التسوية في سوريا حقيقةُ أن دوائر صنع القرار في هذا الكيان باتت تدرك أن المنطقة على موعد مع تحولات جيوإستراتيجية بالغة التعقيد ليس فقط نتاج التسوية المرتقبة للأزمة في سوريا، بل أيضاً بسبب وصول معركة "الموصل" إلى مراحلها النهائية وقرب بَدء معركة "الرقة"  الهادفة إلى طرد تنظيم "داعش" من أهم معاقله في سوريا.

وترى تل أبيب أن هذه هي الفرصة المواتية للتأثير على مجريات الأحداث بما يخدم المصالح الصهيونية من خلال المزاوجة بين تحركات دبلوماسية سرية وعلنية والتلويح باستخدام الخيارات العسكرية وممارسة القوة لإقناع الأطراف المختلفة بجدية التحرك الصهيوني.

وبخلاف الانطباع السابق، فإن الصهاينة لا يكتفون هذه المرة بالتأثير على الموقف الروسي، على أهميته، بل إنهم معنيون باستنفاد كل الطاقة الكامنة في التأثير الأمريكي، سيما بعد تولي دونالد ترامب الحكم.

ويتضح أن آلية التحرك الصهيوني تقوم على توظيف ترامب في الضغط على الروس لكي يحرصوا على مراعاة المصالح الصهيونية، وفي الوقت ذاته محاولة استخدام العلاقة مع موسكو لمنع إيران من إضفاء شرعية على وجودها في سوريا. مع العلم أن الكيان الصهيوني يوضح في كل مناسبة أنه لا يوجد ثمة مشكلة في بقاء نظام الأسد في الحكم، بشرط أن يقترن بقاؤه بعلاقة قوية مع روسيا أو أمريكا وليس مع إيران وحزب الله.

ويجاهر وزير الاستخبارات الصهيوني يسرائيل كاتس بأن حكومته تركز حالياً بشكل أساسي على التنسيق مع إدارة ترامب، التي تتفهم خريطة المصالح الصهيونية في سوريا، وعلى رأسها عدم السماح بتحول هذه البلاد إلى موطئ قدم لإيران وحزب الله ولا أن تفضي التسوية بحال من الأحوال إلى تعزيز موقف الحركات الإسلامية السنية.

لكن التركيز على دور ترامب لا يلغي السعي الصهيوني للتأثير على روسيا وموقفها، حيث يشير كاتس إلى أن روسيا "تمثل دولة صديقة ووجودها يخدم مصالحنا ويضمن هامش مناورة مطلق"، حيث يشير إلى أنه لولا التفهم الروسي لما تمكن الكيان الصهيوني من مواصلة شن الغارات في قلب سوريا.

وقد بلغ مستوى ثقة كاتس بالموقف الروسي درجة أنه توقع أن "يوبخ" الروس نظام الأسد بسبب جرأته على محاولة الرد على الغارة الصهيونية الأخيرة التي استهدفت إرسالية سلاح بالقرب من "حمص"، مشيراً إلى أن الروس "يعون ويحترمون مصالحنا في سوريا".

وأشار كاتس إلى أن التعاون بين المؤسسات العسكرية والاستخبارية في كلٍّ من موسكو وتل أبيب "ممتاز"، منوها بأن الروس "يعون أننا لن نفرط بمصالحنا."

المفارقة، أنه يتضح يوماً بعد يوم أن الرهان الصهيوني على دور روسيا لا يرتبط فقط بدواعٍ إستراتيجية، بل هو أيضا نتاج الاعتبارات الشخصية للرئيس الروسي فلادمير بوتين، حيث تلعب هذه الاعتبارات دوراً مهماً في إغراء الصهاينة بالتمادي في رهاناتهم.

وينقل موقع "يسرائيل بالس" عن مسؤول صهيوني بارز قوله إن بوتين "مغرم بإسرائيل واليهود"، مشيراً إلى أنه "لا يحاول حتى كتم مشاعره إزاء الحركة الصهيونية واليهود، وأنه عادة ما يشير إلى العائلة اليهودية التي جاورت عائلته في السكن في صغره "حيث أكل وتعلم في منزلها".

 ويوضح الموظف الصهيوني الكبير أن الكيمياء الشخصية التي تربط بوتين برئيس الحكومة الصهيونية نتنياهو تمثل عاملاً آخر يساعد على تحقيق المصالح الصهيونية في سوريا.

وحسب الموظف فإنه عند قياس الأمور وَفْق معايير العلاقات الدولية، فإن تأثير الطابع الحميمي والدافئ بين نتنياهو وبوتين غير مسبوق في تأثيره، منوها بأن "عوائد التنسيق الإيجابية مع روسيا فاقت أكثر التوقعات وردية"، بحيث بات بإمكان الكيان الصهيوني القيام بكل ما يرغب به في سوريا دون أن يؤثر الوجود الروسي على مخططاته.

وعلى ما يبدو فإن الانسجام بين بوتين ونتنياهو دفع الصهاينة للكشف عن معلومات استخبارية حول المخططات الإيرانية في سوريا، إذ تم اطلاع بوتين على أن بشار الأسد وافق على أن يقوم الإيرانيون بتدشين مرفأ عسكري خاص بهم إلى الشمال من مدينة اللاذقية.

ولا خلاف في تل أبيب على أن تدشين الميناء العسكري الإيراني سيمثل تحولاً جيوإستراتيجياً بالغ الحساسية في وقت بالغ التعقيد.

إن ما يدفع الصهاينة إلى الرهان على الدور الروسي، رغم تلويحهم بترامب، حقيقة أنهم باتو يدركون أن خلافاتٍ عميقةً تفجرت مؤخراً بين إيران وروسيا.

وقد اهتمت وسائل الإعلام الصهيونية بشكل خاص بالتحليل الذي أعده المعلق الروسي الشهير ديمتري نرسبوف ونشره موقع "برافدا" الرسمي، الذي يعبر عن مواقف الكرملين، في فبراير الماضي، حيث كتب: "لقد تحولت إيران إلى المشكلة الجوهرية الأولى التي تواجه روسيا في سوريا وتقلص فرص تحقيق المصالح الروسية هناك". وحسب الوصف الصهيوني فإنه يتم التعامل مع إيران من قبل الروس على أنها دولة "متقلبة لا يمكن توقع سلوكها بشكل مسبق".

وحسب التقديرات الصهيونية، فإن الإيرانيين يحاولون الحفاظ على العلاقة مع روسيا من خلال إغراء بوتين عبر ضخ 50 مليار دولار في صفقات مع موسكو، والسماح للبواخر الروسية العسكرية بالإبحار من وإلى  موانئها في الخليج العربي، إلى جانب دراسة إمكانية منح الروس الحق في تدشين قواعد هناك.