في ظرف أقل من 48 ساعة أصدر العاهل المغربي الملك محمد السادس، مباشرة بعد عودته من جولات دبلوماسية خارجية في القارة الإفريقية، قرارين سياسيين يتعلقان بتشكيل الحكومة المتعثرة بعد خمسة أشهر من المشاورات، الأول إعفاء عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الذي تصدر نتائج الانتخابات البرلمانية في 7 أكتوبر الماضي، والقرار الثاني استقبال شخصية سياسية ثانية من حزب العدالة والتنمية، وتعيينها رئيساً جديداً للحكومة المقبلة.

إعفاء عبد الإله بنكيران تم بشكل غير مباشر، إذ تم استدعاؤه إلى القصر الملكي بالدار البيضاء مساء يوم الأربعاء الماضي 15 مارس الجاري، وإخباره بأن الملك سيقوم بتعيين شخصية سياسية ثانية من حزب العدالة والتنمية، عندها راجت التخمينات بين ثلاثة مرشحين، الأول هو مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، وقيادي بارز في صفوف "إخوان المغرب". والاسم الثاني هو سعد الدين العثماني، الأمين العام السابق للحزب. والشخصية الثالثة عبد العزيز الرباح، وزير التجهيز والنقل السابق، وعضو الأمانة العامة.

لكن الجواب الملكي لم يتأخر طويلاً بعدما استقبل الجالس على عرش العلويين في المملكة المغربية، بعد ظهر يوم الجمعة (17 مارس - آذار الجاري) الطبيب النفسي سعد الدين العثماني، ورئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، وعينه رئيساً للحكومة مكلفاً باقتراح الوزراء في الحكومة المتعثرة، منذ أكثر من خمسة أشهر، وهي الرسالة التي رأى فيها كثير من المراقبين، أن الملك ما يزال متشبثاً بالإسلاميين، لكنه متحفظ على شخص عبد الإله بنكيران.

وقبل تعيين العثماني رئيساً جديداً مكلفاً بتشكيل الحكومة، كان حزب العدالة والتنمية قد عقد لقاء أمانته العامة، (أعلى هيئة تنظيمية)، يوم الخميس 16 آذار، كما دعا لعقد المجلس الوطني، (برلمان الحزب) يوم السبت الموالي، لتدارس القرار الملكي بشأن إعفاء بنكيران، مؤكداً أنه حزب المؤسسات يتدارس كل الخيارات المطروحة، قبل تبني القرارات النهائية.

موازين قوى جديدة:

شكل قرار استبعاد عبد الإله بنكيران مفاجأة كبيرة في أوساط الرأي العام السياسي المغربي، لم تكن منتظَرة ولا متوقعة؛ ذلك أن بنكيران لم يقدِّم للملك استقالته، وهي الطريقة الوحيدة التي ينص عليها دستور المملكة المغربية، في الفصل 47، بخصوص استقالة رئيس الحكومة، إلا أن المبادرة جاءت من طرف الملك محمد السادس، حسب نص بلاغ الديوان الملكي: "بمقتضى الصلاحيات الدستورية لجلالة الملك، بصفته الساهر على احترام الدستور وعلى حسن سير المؤسسات، والمؤتمن على المصالح العليا للوطن والمواطنين، وحرصاً من جلالته على تجاوز وضعية الجمود الحالية، فقد قرر أن يعيِّن كرئيس حكومة جديد، شخصيةً سياسية أخرى من حزب العدالة والتنمية".

لكن بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، بعد ذلك، برَّأ زعيمه عبد الإله بنكيران، من كل مسؤولية في تعثر تشكيل الحكومة، وحمَّل المسؤولية إلى الاشتراطات المتلاحقة من قبل أطراف حزبية أخرى، وهو ما جعل تشكيل حكومة تتوفر فيها مواصفات القوة والانسجام والفاعلية، كما في الخطاب الملكي لدكار، متعذرا" حسب المصدر نفسه.

وإذا كان الجانب الظاهر في هذا القرار، هو إعطاء دفعة جديدة في مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، بعد أزيد من خمسة أشهر من الجمود، علماً أن الدستور لا يحدد مدة معينة بعد الانتخابات لتشكيل الحكومة، فإن الجانب غير المعلن فيه حسب بعض المتتبعين للشأن السياسي المغربي، هو استعادة الدولة لزمام المبادرة في المشهد السياسي، وبالضبط استعادة القصر مجموعة من التنازلات التي قدمها إبان الحَراك الشعبي، الذي تزامن مع فترة الربيع العربي، ومن ثَم فإن استبعاد بنكيران لم يكن إلا خطوة أخرى، في اتجاه إعادة ترتيب موازين قوى جديدة.

وكان عبد الإله بنكيران، طيلة فترة المشاورات الحكومية مع الأطراف السياسية، يدافع عن فكرة مهمة يبدو أنها أزعجت المحيطين بالقصر الملكي، وجعلت عبد الإله بنكيران غير مرغوب فيه، حسب بعض المراقبين، وتتمثل في "استقلالية القرار الحزبي"، وهو المعيار الذي ظل بنكيران يركز عليه خلال جميع مراحل مفاوضاته مع الأحزاب المعنية، وذلك من أجل تقوية الأحزاب السياسية، أمام تنامي ما يوصف بـ "أحزاب الإدارة"، وهي الأحزاب التي ترعاها الدولة خدمة لمصالحها، في مواجهة الأحزاب الوطنية، لأن من شأن ذلك تعزيز مسار الانتقال الديمقراطي.

مخاوف من "انقلاب أبيض":

لا ينص الدستور المغربي، صراحة على تعيين الأمين العام للحزب الفائز بالانتخابات التشريعية، وإنما ينص على أن الملك يعين من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، (البرلمان)، وعلى أساس نتائجها، غير أن تعيين الملك محمد السادس الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الاله بنكيران، رئيساً للحكومة بعد انتخابات نوفمبر 2011، وكرر معه ذلك بعد انتخابات أكتوبر 2016، أعطى الانطباع بتكريس عرف لم ينص عليه الدستور صراحة، لكنه يكرس المنهجية الديمقراطية، التي طالما كانت مطلباً سياسياً للأحزاب الوطنية في المغرب، ولذلك فإن إعفاء عبد الإله بنكيران شكل صدمة قوية لحزب العدالة والتنمية، ولكل القوى السياسية الوطنية، التي تدفع في اتجاه تكريس الاختيار الديمقراطي، والاحتكام إلى نتائج صناديق الاقتراع.

ومردُّ المخاوف التي خلقها إعفاء العاهل المغربي محمد السادس، لعبد الإله بنكيران، هو سيناريو إغلاق قوس التناوب الديمقراطي الثاني في المغرب، بعد إجهاض التناوب الأول عقب انتخابات سنة 2002، الذي حصل مع عبد الرحمن اليوسفي، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، آنذاك، عندما استدعاه الديوان الملكي للقاء الملك، حيث اعتقد أنه سيكلفه بتشكيل الحكومة مرة ثانية، لكن الجالس على العرش، أخبره بتعيين شخصية تكنوقراطية (غير حزبية)، وقد وصفت تلك اللحظة بأنها "انقلاب عن المنهجية الديمقراطية".

غير أن اختيار الملك محمد السادس سعد الدين العثماني بدد كل تلك المخاوف، وذلك لعدة اعتبارات، أولها إبقاء رئاسة الحكومة في يد حزب العدالة والتنمية، ومعناه احترام نتائج صناديق الاقتراع، وروح النص الدستوري. وثانيها تفاعل الملك بشكل إيجابي مع بلاغ الأمانة العامة للعدالة والتنمية، وبعض قياداته، خاصة مصطفى الرميد، وزير العدل، الذي كان قد صرح في وقت سابق، أنه لن يقبل بأن يقدم نفسه بديلاً لبنكيران في حال ما تم استبعاده.

أما الاعتبار الثالث، فيتمثل في شخصية سعد الدين العثماني، فهو رجل التوافقات داخل العدالة والتنمية، ويحظى بمكانة تنظيمية متقدمة داخل الحزب الإسلامي، فهو ثاني أمين عام للحزب بعد المؤسس الراحل، المجاهد عبد الكريم الخطيب، ثم إنه رئيس المجلس الوطني حالياً (برلمان الحزب)، فضلاً عن أنه كان وزيراً للشؤون الخارجية والتعاون، في النسخة الأولى لحكومة عبد الإله بنكيران، وهي وزارة سيادية في المغرب، ومن الناحية السياسية، فإن العثماني يحظى بمكانة رمزية بين الأطراف السياسيين، نظراً لشخصيته الهادئة.

أفق المشاورات الحكومية:

أمام سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية الجديدة، مهام صعبة في انتظار الخروج بالمشاورات من النفق المسدود، فهو من جهة محكوم بتوصيات المجلس الوطني لحزبه، خلال دورته الاستثنائية، يوم السبت الماضي، (18 آذار مارس)، والتي أيدت موقف رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران باستبعاد حزب الاتحاد الاشتراكي، لكونه لم يلتزم بالعهد الذي قطعه على نفسه في بداية المشاورات، وأيضاً عدم الخضوع لاشتراطات حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقوده عزيز أخنوش، وهو رجل أعمال ملياردير، مقرب من البلاط الملكي، كان يشغل منصب وزير الفلاحة في الحكومتين السابقتين.

ومن جهة ثانية، فإن مصداقية الأحزاب المعنية بالانضمام إلى التحالف الحكومي على المحك؛ إذ سيتضح إذا كانت ستبقي على اشتراطاتها السابقة، أم ستتراجع عنها لتسهيل تشكيل الحكومة، وحسب بعض المراقبين، فإن تنازل الأطراف الحزبية عن شروطها السابقة، معناه أن الهدف من عرقلة ميلاد الحكومة، هو انزعاج القصر من عبد الإله بنكيران، الذي يتميز بكاريزما قيادية، ومسنود بقاعدة انتخابية كبيرة، أي أنه أصبح ينازع الملك في شرعيته الرمزية، حسب ما ذهبت إليه تفسيرات عدة باحثين في الشأن السياسي.

أما إذا لم تتنازل تلك الأطراف الحزبية عن شروطها ومواقفها، فإن ذلك يعني بكل وضوح تخلي الدولة عن حزب العدالة والتنمية، وإغلاق قوس التناوب الديمقراطي الثاني الذي يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع، غير أن هذا السيناريو يبدو مستبعداً بالنظر إلى مجموعة من المعطيات القائمة، وأبرزها قبول حزب العدالة والتنمية بتنحية أمينه العام واستبداله بشخصية أخرى، واستبعاده اللجوء إلى خيار المعارضة، إضافة إلى غياب أحزاب منافسة تتمتع بقوة حزب العدالة والتنمية نفسها، ثم حاجة الدولة في استكمال مجموعة من الأعمال الإصلاحية التي كانت قد باشرتها الحكومة السابقة.

ويبدو من خلال التطورات السياسية الأخيرة المتمثلة في تقديم حزب العدالة والتنمية تنازلاً جديداً، مشروطاً بمراعاة "المقتضيات الدستورية، والاختيار الديمقراطي، والإرادة الشعبية المعبر عنها فن صناديق الاقتراع"، وتأكيد العاهل المغربي أن تعيينه شخصية ثانية من الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية، (126 مقعداً من أصل 395)، يعود لحرص الملك على "توطيد الاختيار الديمقراطي، وصيانة المكاسب التي حققتها المملكة في هذا المجال، حلقة الوصل التي ما تزال قائمة بين القصر والإسلاميين، في المغرب.