عاموس هرئيل/"هآرتس"

 

إن الأمر المفاجئ جدا، هو انه في صفوف الحكومة التي توصف بأنها الأكثر يمينية في الكيان الصهيوني، بالذات، تتصاعد الآن الحرب الثقافية حول طابع سلوك الجيش الصهيوني. لكن النقاش خرج منذ زمن من صفوف الجيش، أو حتى من حدود المعسكر الايديولوجي الواضحة. من اختار التصعيد مؤخراً هو وزير الأمن، افيغدور ليبرمان، الذي أنذر رؤساء الكلية العسكرية في مستوطنة عيلي. وفي المناسبة ذاتها، شدد ليبرمان من لهجته ازاء منافسه داخل الائتلاف الحكومي، الوزير نفتالي بينت، واتهمه بالدفاع عمن "يحاولون تحويل اسرائيل إلى ايران".

لقد تمحور الصراع، ظاهرا، حول تصريحات الحاخام يغئال ليفنشتاين، الرجل الثاني في كلية "ابناء دافيد". في الصيف الماضي، نشر شريط تم تصويره خلال محاضرة هاجم فيها ليفنشتاين العلمانيين والليبراليين والمثليين جنسيا وقيادة الجيش. وبعد حملة من الضغوط التي مارستها وزارة الأمن وقيادة الجيش، نشر الحاخام شبه اعتذار، ادعى فيه انه تم إخراج تصريحاته من سياقها. لكن سلسلة تصريحاته منذ ذلك الوقت، ومن بينها تسجيل طويل سمع فيه وهو يهاجم خدمة النساء في الجيش، في الأسبوع الماضي، جدد رقصة الشجب لتصريحاته.

في حينه كان ليبرمان يتواجد في الولايات المتحدة، وهاجم تصريحاته من هناك. الاسبوع الجاري، بعث اليه برسالة طالبه فيها بشكل قاطع بالاستقالة من منصبه في الكلية والمدرسة الدينية المرتبطة بها، والا فانه سيعمل على إلغاء الاعتراف بعيلي كمدرسة دينية منظمة وككلية عسكرية.

وتأتي رسالة ليبرمان هذه بعد عدة أيام من قيام الشريك الرفيع لليفنشتاين في قيادة الكلية، الحاخام ايلي سيدان، بنشر شريط فيديو لخريجي الكلية، يتنصل فيه تماما من كل محاولة لإدارة حرب ثقافية في الجيش. وأثارت تصريحات ليفنشتاين حرجا في صفوف بعض الضباط الكبار، أيضا، من خريجي الكلية، الذين يعتقدون أن تصريحاته لا تمثل قيمهم، بل حتى ليس ما تعلموه في الجيش. لكن الهجوم المباشر من قبل وزير الأمن على الحاخام يجعل الصهيونية  الدينية تقوم حاليا برص الصفوف.

لقد قوبلت رسالة ليبرمان على الفور بموجة من ردود الفعل الشديدة من قبل أعضاء كنيست وحاخامات. وإلى جانب ذلك، نشرت القناة العاشرة بيانا وقعه عشرات الحاخامات الذين يعارضون بشكل جارف خدمة الجنود المتدينين في الكتائب المختلطة، التي تخدم فيها مجندات. ورغم أن قيادة الجيش تحاول حاليا، التراجع خطوة إلى الوراء للامتناع عن مواجهة مع القطاع المتدين (رغم انها امتنعت عن نشر بيان تشجب فيه تصريحات ليفنشتاين الأخيرة)، إلا أنها لا تزال في جبهة الصدام هذه التي تصل أحيانا، إلى الاتهامات المباشرة لرئيس الأركان غادي ايزنكوت.

بالنسبة لوزير التعليم، نفتالي بينت، تأتي العاصفة الجديدة في توقيت ممتاز. فبينت يطرح نفسه عمدا كبديل يميني يركل الخط الذي يقوده رئيس الحكومة نتنياهو والوزير ليبرمان. كما انه لا يزال بعيدا عن التحمس إزاء أداء ليبرمان لمنصبه، أو من الإطراء الذي يجرفه وزير الامن من قبل المحللين في وسائل الاعلام على خلفية سلوكه كـ"مسؤول بالغ".

هجمات ليبرمان على أم الكليات، المؤسسة التي تعتبر شبه راية للمعسكر الأيديولوجي، تسمح لبينت بالوقوف والدفاع عنها، خاصة وانه يتم عرض الخلافات كمحاولة لتقييد حرية تعبير الحاخامات. وفي خلفية ذلك، يتم ذكر أسماء الخريجين اللامعين من عيلي الذين تسلموا مناصب قيادية في وحدات النخبة العسكرية، وإلى جانب ذلك سلسلة طويلة من الخريجين الذين سقطوا في معارك الكيان الصهيوني. والرسالة التي يجري بثها بشكل شبه علني تقريبا هي: فلنراكم تتدبرون الأمر من دوننا.

في عام 2009، وعلى خلفية الدعوة لرفض الخدمة، عمل رئيس الأركان غابي اشكنازي ووزير الأمن ايهود براك، على إخراج المدرسة الدينية القائمة في مستوطنة "هار براخا" من الاتفاق على تأجيل الخدمة العسكرية للطلاب. لقد كان ذلك الاجراء طويلا ومعقدا وانتهى بمعاقبة الكلية. لكن خليفة براك في المنصب، موشيه يعلون، ألغى العقوبة في 2013، بعد انتزاع تحفظ هش من قبل رؤساء المدرسة. والان يهدد ليبرمان بعقوبات مشابهة، لكن مكانة المؤسسة التي اختار الصدام معها مهمة ومرموقة بشكل أكبر، والكشف الاعلامي الذي تحظى به كلية عيلي يفوق بكثير ما تحظى به المدرسة الدينية في "هار براخا". 

يمكن الافتراض بأن وزير الأمن يشخص هنا ارضية مريحة لخطوة سياسية: الدفاع عن الجيش الصهيوني، وفي الوقت نفسه الدفاع عن المجندات، وبشكل خاص المحاربات، في مواجهة الهجوم الفظ من قبل الحاخامات. عندما يبث الائتلاف الحكومي حالة من العصبية وعدم الهدوء، ايضا على خلفية التحقيقات مع نتنياهو، يشكل الأمر فرصة جيدة للتلميح للجمهور العلماني والرسمي بأن هناك من يحافظ على مصالحه.

لقد ادعوا في محيط ليبرمان، انه مصر على المضي حتى النهاية والوصول إلى استقالة ليفنشتاين، حتى إن كلف ذلك المس بالكلية. لكنه ليس صدفة أن أعضاء البيت اليهودي يلسعون ليبرمان من خلال التذكير المتكرر بتهديداته التي لم تتحقق، كالتهديد بتصفية رئيس حكومة حماس في غزة، اسماعيل هنية. في قضية عيلي، ايضا، ليس من الواضح ما اذا كان ليبرمان يملك القاعدة القانونية التي تسمح له بالمس بالكلية والمدرسة الدينية – وما اذا كان يمكن للجهاز الامني والجيش الصهيوني السماح لأنفسهم بالدخول في صدام مباشر ودائم مع الجمهور الذي يتمثل بشكل واسع في الوحدات المقاتلة. في بعض الاحيان يتم وصف ليبرمان بأنه يتمتع بغرائز سياسية حادة. ولكن في هذه المرحلة، لا يزال من المبكر جدا التحديد ما إذا كان رهانه الحالي سيبرر نفسه.