اكتشف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وسيلة غير إبداعية لمحاولة تجاوز بعض المخططات الإقليمية الهادفة لاستبداله بخصمه اللدود محمد دحلان. ومن المفارقات العجيبة، أن مجريات الأمور تدلل على أن عباس بات يرى أن الوحيد الذي يمكن يحول دون نجاح هذه المخططات هو الرئيس الأمريكي الجديد. لكن عباس يعي أن الطريق إلى قلب ترامب تمر أولا بالبوابة الصهيونية، مما دفعه إلى تكثيف وتيرة التعاون الأمني مع الكيان الصهيوني، والذي تجاوزت وتيرته مؤخرا كل الأرقام القياسية.

ومما يدلل على أن تعاظم التعاون الأمني الذي تبديه السلطة مرتبط بالأساس برغبة عباس في أن يخلع عليه ترامب قدرا من الشرعية، حقيقة أن الزيارة التي قام بها مايك بومبيو رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "CIA" لرام الله الشهر الماضي مثلت نقطة تحول فارقة في وتيرة هذا التعاون، على الرغم من أن أجهزة السلطة الأمنية لم تتوقف يوما عن التعاون مع الصهاينة في الحرب على المقاومة.

بومبيو أبلغ الصهاينة بعد لقاء عباس أنه لم يتلق فقط تعهدا من عباس بتكثيف التعاون الأمني مع تل أبيب، بل أن عباس أوضح بما لا يقبل مجالا للشك بأن سلوك الصهاينة العدائي وإصرارهم على مواصلة الاستيطان والتهويد ورفضهم إبداء أي قدر من المرونة تجاه ملف التسوية لن يؤثر على "عمق" التزامه بالتعاون الأمني.

وقد بات الصهاينة يلمسون أن إصرار عباس على تكثيف وتعميق التعاون الأمني معهم رغم سلوك حكومتهم قد فاقم من مستويات ومظاهر الغضب الشعبي الفلسطيني تجاهه. ويسجل "مركز يروشليم"، الذي يرأس مجلس إدارته دوري غولد، وكيل وزارة الخارجية الصهيونية السابق أن عباس الذي شعر بخطورة تآكل مكانته الداخلية عقد مؤخرا اجتماعا لقادة أجهزته الأمنية وطلب منهم تفريق المظاهرات الشعبية في أرجاء الضفة الغربية المنددة بالتعاون الأمني بالقوة. وحتى المركز الصهيوني يقر بأن التعاون الأمني مع تل أبيب يمثل "نقطة الضعف الرئيسة" التي تمكن خصوم عباس من مهاجمته وتصويره على أنه "مجرد عميل لإسرائيل".  لكن المركز، في المقابل،  يرى أن عباس يرى في التزامه بالتعاون الأمني "بطاقة تأمين لضمان تواصل الدعم الأمريكي في عهد الرئيس ترامب".

وينوه المركز، الذي يستند إلى معلومات من الأجهزة الأمنية والاستخبارية الصهيونية، إلى أن جهاز المخابرات العامة التابع للسلطة بقيادة ماجد فرج يعد قناة الاتصال "الأكثر نجاعة" في تكريس التعاون الأمني مع الكيان الصهيوني.

 وحسب ما ورد في الورقة التي أعدها المركز فأن جهاز المخابرات العامة يعمل على مدار الساعة بالتعاون والتنسيق مع جهاز المخابرات الداخلية الصهيوني (الشاباك) ضد أي بنية تنظيمية للمقاومة تعمل ضد الصهاينة انطلاقا من مناطق نفوذ السلطة الفلسطينية. ولا حاجة للتذكير بالمقابلة النادرة التي أجراها ماجد فرج مع موقع "ديفينس نيوز" الأمريكي قبل عام وتباهى فيها بإحباط جهازه 200 عملية ضد الكيان الصهيوني في غضون عام.

وقد أسهمت فاتورة التعاون الأمني في النهاية بإقناع ترامب بالاتصال بعباس ودعوته للقائه في واشنطن دون أن يتم تحديد موعد اللقاء.

ويبدو أن أكثر ما يسبب القلق لعباس هو مخاوفه من توجهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي سيقوم بزيارة لواشنطن الشهر القادم. فحسب المحافل الصهيونية فأن السيسي قد يعمل على محاولة اقناع ترامب بالتخلي عن عباس وتمهيد الظروف أمام تولي خصمه محم دحلان مقاليد الأمور بعده.

ويتوقع يوني منحيم، المدير العام السابق لسلطة الإذاعة والتلفزيون الصهيونية أن السيسي سيحاول استغلال مكانته لدى ترامب، الذي يرى فيه "زعيم محور الاعتدال"، الذي يخطط لتدشينه في العالم العربي لتحقيق المصالح الأمريكية، في إنجاح تحركه ضد عباس.

ولا يفوت منحيم التذكير بأن عداء السيسي لعباس وحرصه على تولي دحلان مكانه لا يعود لموقف شخصي من رئيس السلطة، بل لأن الأخير لم يبد التعاون مع صيغ التسويات الإقليمية التي يحرص السيسي ونتنياهو على محاولة تسويقها، وإحباطه مخطط لعقد مؤتمر "قمة إقليمي" في عمان لمناقشة سبل حل القضية الفلسطينية في أكتوبر 2016.

  وفي تقدير موقف أعده ونشره "مركز  يروشليم"، يشير منحيم إلى أنه حتى كبار قادة السلطة الفلسطينية في رام الله يخشون أن يطلب السيسي من ترامب دعم خلع عباس بوصفه "حصان ميت" وتنصيب دحلان محله.

لكن منحيم يشكك بنجاح السيسي في مهمته المتوقعة هذه لأن الأمريكيين خاب أملهم في دحلان ويعتقدون أنه فشل في الاختبار الجوهري وهو عجزه عن الحفاظ على سيطرة السلطة الفلسطينية على قطاع غزة.

ويوضح منحيم بأن وكالة الاستخبارات الأمريكية قطعت اتصالاتها بدحلان في صيف 2007 بعدما فشل في منع سيطرة حماس على قطاع غزة، وهو ما عده الأمريكيون صورة من صور فشل إستراتيجيتهم التي كانت قائمة على ضخ أموال طائلة لدحلان لتوظيفها في تدشين أجهزة أمنية بهدف تمكينها من التصدي لحماس، منوها إلى أن الأمريكيين غضبوا بعدما تهاوت قوة دحلان في غزة في لمح البصر.

 ويستدرك منحيم بأنه في حال اقنع السيسي ترامب بإعادة قنوات الاتصال بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "CIA" ودحلان فأن هذا يمثل مؤشرا على توجه الإدارة الأمريكية لدعمه كخليفة لعباس.

وترى المحافل الصهيونية أن تدخل السيسي لصالح دحلان لا يضمن تجند ترامب من أجله، حيث ترى هذه المحافل أن الرئيس الأمريكي سيستشير الكيان الصهيوني، حيث أن رأي صناع القرار في تل أبيب سيكون حاسما في تحديد وجهة التحرك الأمريكي.

ومن أسف، فبدلا من أن يستخلص عباس العبر المطلوبة ويدرك عبثية الرهان على ترامب، فأنه يتجه بقوة نحو تكريس هذا الرهان الذي سيكون حتما مقترنا بتقديم المزيد من التنازلات على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته لصالح الكيان الصهيوني، الذي سيواصل جني ثمار هذا الرهان، وعلى رأسها تعميق وتكثيف التعاون الأمني ضد المقاومة.