بدأ الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب متحمساً لفكرة الحرب على القاعدة وقوى الإرهاب كما تطلق عليها أروقة السياسة الغربية، سعياً منه في تغيير الصورة النمطية التي ارتسمت في ملف الحرب على الإرهاب خصوصاً في عهد الرئيس السابق أوباما.

خلال شهرين فقط نفذت القوات الأمريكية عمليتي إنزال في اليمن الأولى في محافظة البيضاء بمنطقة يكلا وكانت نتيجتها مقتل جندي من قوات النخبة الأمريكية وجرح ثلاثة آخرين، وقتل عدد من الأفراد يفترض أنهم من تنظيم القاعدة بالإضافة إلى 6 نساء وأطفال وتدمير طائرة أمريكية من نوع "F 22 أوسبري" تصل قيمتها إلى 70 مليون دولار.

أما العملية الثانية فقد كانت في محافظة أبين جنوب اليمن وتحديداً في منطقة موجان، حيث أعلن البنتاغون عن تنفيذ 30 ضربة جوية خلال يومي الخميس والجمعة في ثلاث محافظات يمنية هي أبين وشبوة والبيضاء، ونتيجة هذه الضربات قتل قرابة خمسة أشخاص يعتقد أنهم من عناصر القاعدة.

وعلى ما يبدو فإن ترامب سيحطم الرقم القياسي لأسلافه من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية من حيث عدد الغارات الجوية على القاعدة في اليمن، فخلال شهرين فقط تم تنفيذ ما يزيد عن أربعين غارة جوية وعمليتي إنزال جوية لجنود أمريكيين.

ومن خلال نظرة سريعة على عدد الغارات الجوية التي نفذتها القوات الأمريكية في السنوات الأربع الماضية في عهد الرئيس السابق أوباما منذ عام 2012 فهي لم تتجاوز على أعلى تقدير الــ 137 غارة جوية، أما في عام 2013 فقد تراجعت إلى 33 غارة، في حين كانت في العام الذي يليه 36 غارة، ثم تراجعت في عام 2015 لتصبح 32 غارة، أما عام 2016 فقد بلغت 55 غارة جوية، وفقاً لتقرير صدر عن مكتب تحقيقات صحافية استقصائية مستقل مقره في واشنطن مهتم برصد وتتبع عمليات التدخل الجوي الأمريكي في ثلاث دول هي اليمن وباكستان والصومال.

هذا العدد الكبير من الضربات الجوية وعلميات الإنزال المباشرة للجنود الأمريكيين على عناصر قليلة من القاعدة يتمركزون في الشعاب والأودية يرسم صورة واضحة لمستقبل ملف الحرب على الإرهاب في اليمن في عهد ترامب.

ترامب يحاول أن يكسر حالة الجمود التي رافقت عملية الحرب على القاعدة وداعش في اليمن وغيرها من الدول التي يوجد فيها عناصر للقاعدة، ويبدو أنه اختار اليمن أول هدف سهل نظراً لحجم المعلومات المتوافرة واستغلالاً للفراغ الأمني والسياسي الموجود في البلد منذ عامين.

وهذه الضربات نفسه تكشف حجم التناقض الأمريكي في الحرب على الإرهاب، عشرات الضربات الجوية وعمليات الإنزال الجوية على عناصر محدودة لتنظيم القاعدة في حين يتم التغاضي عن انقلاب كامل الأركان على سلطة الدولة الشرعية من قبل ميليشيات الحوثي التي تعلن ليل نهار العداء لأمريكا و (إسرائيل) بل وصل الأمر إلى تهديدها خطوط الملاحة الدولة وتم استهداف ناقلة إماراتية وفرقاطة سعودية ومحاولة استهداف سفينة أمريكية في عرض البحر الأحمر.

إضافة إلى ذلك فالانقلاب الحوثي هو الذي تسبب في حالة الفراغ في السلطة ونتج عنه تمدد عناصر القاعدة وتحركها بسهولة في بعض المحافظات خصوصاً المحافظات الجنوبية.

وفي الوقت الذي يحاول فيه الرئيس الأمريكي ترامب أن يغير من السياسة الأمريكية تجاه كثير من قضايا الشرق الأوسط وعلى الأخص قضايا الإرهاب، ومن ذلك هذا التوجه العسكري المباشر في حربه على القاعدة، إلا أنه يتوافق مع سياسة أوباما في ما يخص ملف الانقلاب الحوثي فهو لا ينظر للحوثي كخطر، وقد أعلن أنه سيلتزم بمبادرة جون كيري للحل السياسي في اليمن والتي تهدف لإنقاذ الحوثي وبقائه شريكاً أساسياً في السلطة من دون أي ضمانات لتسليم السلاح وعودة سلطات الدولة إلى صنعاء.

وعلى ما يبدو فإن فريق ترامب يحاول أن يستفيد في معركته ضد القاعدة في اليمن من طرفي الصراع القائم، فهو أعلن أن الضربات التي تمت كانت بصورة مشتركة مع القوات اليمنية وبالتنسيق مع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، مؤكداً أن الحكومة متعاونة جداً في الحرب على الإرهاب، لكنه في الوقت نفسه لا يزال لديه تعاملات واضحة مع طرف الانقلابيين في صنعاء للاستفادة من خدماتهم في جمع المعلومات وتسهيل بعض المهام في مناطق سيطرة الحوثي.