في خطوة تهدف إلى التحوط للتحولات المتوقعة على الخارطة السياسية والحزبية في أوروبا، شرع الكيان الصهيوني في فتح حوار مع الأحزاب والحركات التي تمثل اليمين المتطرف الأوروبي.

ويتضح أن القاسم المشترك الأبرز الذي لا تتردد كل من قوى اليمين الصهيوني وأحزاب وحركات اليمين المتطرف في أوروبا في الإشارة إليه يتمثل في الإجماع على اعتبار الإسلام تهديد يتوجب توحيد الجهود لمواجهته.

وقد بدا واضحا أن نخب اليمين الصهيوني الحاكم واليمين المتطرف الأوروبي التي لم تعد  تتردد في الإفصاح عن مظاهر العلاقة بينها وتجاهر بأن أهم مسوغ للتعزيز هذه العلاقة يتمثل في الحاجة إلى "توحيد الصفوف" في مواجهة العالم الإسلامي.

وقد أقدمت النخب الصهيونية على هذه الخطوة رغم أنها تتناقض مع ما يدعيه الكيان الصهيوني، الذي يزعم أنه يقاطع اليمين المتطرف في أوروبا بسبب توجهاته "المعادية للسامية".

ويتعارض التوجه الصهيوني الجديد مع التوجه الرسمي الذي تلتزم بها المؤسسات اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة، التي تحذر من تداعيات صعود اليمين المتطرف الأوروبي.

وتكمن المفارقة، أن بعض القوى اليمينية الأوروبية التي يبدي اليمين الصهيوني رغبته في تعزيز العلاقات معها متهمة بتبني خطا "لاساميا" معاديا لليهود، وهذا ما تقر به المؤسسات اليهودية في أوروبا.

ويعتبر زعيم اليمين المتطرف في هولندا خيرت فيلدرز، الذي يعد أكثر قادة اليمين الأوروبي المتطرف عداء للإسلام والمسلمين، ضيفا دائما في تل أبيب. ويجاهر فيلدرز في المقابلات الصحافية التي يجريها مع وسائل الإعلام الصهيونية بأن أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا هي "الحليف الطبيعي" للكيان الصهيوني، على خلفية الموقف المشترك من الإسلام.

ولا يتردد فيلدرز في التعبير عن مظاهر تعاطفه وتضامنه مع قوى اليمين الديني والعلماني الصهيونية في حربها ضد الشعب الفلسطيني، من خلال القيام بجولات في المستوطنات اليهودية المقامة في الضفة الغربية والتعبير من هناك عن دعمه اللامحدود للمشروع الاستيطاني التهويدي، حيث يرافقه في هذه الجولات صديقه الجنرال الصهيوني آرييه إلداد، الذي يعد من قادة المستوطنين اليهود في الضفة الغربية.

وقد وظف فيلدرز مقابلاته مع وسائل الإعلام الصهيونية في التنظير لعدائه المطلق للإسلام وتشجيعه الصهاينة على استخدام سياسات أكثر تشددا في قمع الفلسطينيين.

وقد بات من الواضح أن التواصل بين القوى اليمينية المتطرفة في أوروبا واليمين الصهيوني يتم بموافقة ومباركة حكومة بنيامين نتنياهو، التي تدعي مقاطعتها اليمين المتطرف بسبب توجهاته "اللاسامية"، حيث أن كل ما يعني حكومة تل أبيب هو استنفاذ الطاقة في العلاقة مع اليمين الأوروبي المتطرف تحسبا لإمكانية وصوله للحكم.

وقد تسنى الكشف عن نفاق الحكومة الصهيونية عندما تبين أن مسؤولا كبيرا في حزب "الجبهة الوطنية" الفرنسية بقيادة ماري لوبين، ذات التوجهات العنصرية المعادية للإسلام، قد التقى مسؤولا في حزب الليكود الذي يقوده رئيس الحكومة ووزير الخارجية بنيامين نتنياهو.

وقد كشفت وسائل الإعلام الصهيونية النقاب عن أن رئيس معسكر الشباب في حزب "الليكود" دفيد شاين التقى بنيكالو باي، الأمين العام لـ "الجبهة الوطنية"، الذي زار تل أبيب مؤخرا.

ونوهت صحيفة "هآرتس" إلى أنه على الرغم من محاولة الحكومة الصهيونية خفض الاهتمام الإعلامي حول زيارة باي، لدرجة أنها اجتهدت أن تكون الزيارة ذات طابع سري، إلا أن الزيارة خرجت للعلن في النهاية، مشيرة إلى أن حكومة نتنياهو حاولت التكتم على زيارة باي لتقليص مستوى الحرج الناجم عن التناقض بين قرار المقاطعة الرسمية لحزب الجبهة الوطنية، الذي تتهمه أوساط يهودية بـ "معاداة السامية"، والسماح للرجل الثاني في الحزب بزيارة إسرائيل ومبادرة قيادي بارز في الحزب الحاكم لعقد لقاء معه.

ولم يتردد باي، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "هارتس" الصهيونية، في الإشارة إلى مكامن التشابه بين "الجبهة الوطنية" بقيادة لوبين والكيان الصهيوني، مشيرا إلى أن الجبهة تريد الحفاظ "على أمن فرنسا وأمن مواطنها وحماية اقتصادها وحدودها وهويتها الثقافية" تماما كما يفعل الكيان الصهيوني.

 وأشار باي إلى أن أحد أهداف زيارته للكيان الصهيوني تتمثل في محاولة تحسين العلاقة مع تل أبيب استعدادا لإمكانية أن تفوز لوبين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية. وحرص باي على التأكيد على أن "الجبهة الوطنية" ملتزمة بالعمل على الحفاظ على الأمن الصهيوني في حال وصلت للحكم.

 وتشير "هارتس" إلى أنه على الرغم من اتهام اليهود للوبين باللاسامية، إلا أن استطلاعا أجري في فرنسا مؤخرا دلل على أنها تحظى بتأييد 10% -15% من المصوتين اليهود الفرنسيين، وذلك قبل شهرين من الانتخابات الرئاسية، حيث من المتوقع أن تصل زعيمة اليمين المتطرف إلى الجولة الثانية من الانتخابات.

ولفتت "هارتس" الأنظار إلى حقيقة أن باي يعد من أكثر قيادات "الجبهة" انتقادا لسياسة الهجرة التي اتبعتها الحكومات الفرنسية، حيث أنه اتهم إدارة الرئيس السابق ساركوزي باتباع سياسة هجرة متساهلة، على الرغم من الأخير كان معروفا بتشدده.

ونوهت الصحيفة الصهيونية إلى أن الزيارة التي يقوم بها باي للكيان الصهيوني والزيارات المماثلة التي قام بها ممثلون لأحزاب أخرى تمثل اليمين المتطرف في أوروبا، مثل حزب "الحرية" النمساوي، توظف من قبل هذه الأحزاب لمراكمة الشرعية، على اعتبار أن التواصل مع الكيان الصهيوني ينزع مسوغات اتهامها باللاسامية.

 ويشار إلى أن برامج اليمين المتطرف في أوروبا القائمة على "الإسلامفوبيا" والعنصرية تجد استحسانا لدى قطاعات واسعة من اليمين الصهيوني.

 وفي المقابل، فأن هناك ما يدلل على أن الحكومة الصهيونية التي تدعي مقاطعة هذه الأحزاب بسبب برامجها السياسية معنية ببناء قنوات اتصال غير مباشرة تساعدها على حماية المصالح الصهيونية في حال وصلت هذه الأحزاب للحكم.

 وقد أشار عراد نير، معلق الشؤون الخارجية في قناة التلفزة الصهيونية الثانية، في تعليق بثته القناة مؤخرا، إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تلعب "لعبة مزدوجة"، حيث أنها تتبع تكتيكا يقوم على مقاطعة رسمية لأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، لكنها في المقابل تسمح لممثلي الأحزاب المشاركة فيها باستقبال ممثلين عن هذه الأحزاب والقيام بزيارة عواصم الدول التي تعمل فيها وعقد لقاءات معها.