جعل الله الكعبة قياماً للناس؛ سواء من كان حولها، أو توجه نحوها، وشمل خيرها الدنيوي والديني المجاورين لها والقاصدين حماها المحرم. وظل هذا المبنى المقدس عالي القيمة لدى الناس في جاهليتهم، وبعد الإسلام؛ حيث يجله المسلمون، ويحنون له، ويفدونه بالنفس والولد، ويضطربون لأي أمر حقيقي أو متوهم يلحق به الضرر أو يكاد.  

ولذا غصت إيران من انفراد المملكة بحيازة شرف خدمة الكعبة، وتكفلها الكامل بالحرمين الشريفين؛ واتخذت من أي حدث -مهما صغر- سبباً للتشغيب على المملكة، كما فعلت حين أصبحت رواتب الموظفين تدفع حسب الأبراج الشمسية؛ بحجة أن المملكة تركت التقويم الهجري، مع أن إيران وحلفاءها لا يستخدمون التأريخ الهجري.

وبذلت دولة الملالي جهدها البالغ لتشويه صورة السعودية؛ لكنها فوجئت بالاستقبال الحافل للملك سلمان في دول آسيوية، كما في إندونيسيا وماليزيا؛ مع أن تغلغل إيران الناعم في هذه الدول لا يخفى، وعلاقاتها وثيقة جداً ببعض التيارات التغريبية والأحزاب المحلية فيهما.

ولم يلق عوام المسلمين ونخبهم بالاً للدعايات المغرضة، فهبوا في أمواج بشرية للترحيب بخادم الحرمين الشريفين، وتقبيل رأسه، فهو الرجل الذي يرونه قائماً بشؤون الكعبة التي سكنت جوانحهم، وهو الرجل الذي يرتبط لقبه العملي بخدمة أقدس بقعتين عندهم، وتلك لعمر الله مزية عظيمة، وقوة أقوى من نواعم القوى وخشنها.

فهل يكون هذا الحدث مفصلاً مؤثراً، نمسح به إجراءات ما بعد 11 سبتمبر، ونطوي سجلاً ونفتح آخر؛ كي نحضر بذكاء وفاعلية في عالم يحبنا ويحتاجنا كما نحبه ونحتاجه، من خلال المنح الدراسية في كافة التخصصات، وفتح الباب للعمل الخيري الخارجي مع مراقبته مراقبة المشفق الناصح؛ لا مراقبة المجحف الكابح، وتنشيط السفارات في الخارج، وفتح قنوات التعاون المختلفة، واستثمار المواسم خاصة مع التوجه لزيادة عدد الحجاج والمعتمرين، وتعزيز الإعلام القيمي بلغات مختلفة؟

وهل نعزز هذه المكانة بالحفاظ على صورتنا الشرعية؛ وضبط كل وسيلة محسوبة علينا، فجلُّ المسلمين يتألمون لأي منكر يقر أو يشاع في بلادنا، أو يصدر من قنواتنا المختلفة، وهم يظنون المملكة كلها مكة والمدينة، وكم من مرة ومرة لاحظنا اهتمامهم ولو بقلعة تزال، أو بفرية تقال، فكيف حين يستثمر المناوئون المخالفات الكبيرة للإساءة إلى مكانة البلاد الشرعية والدينية؟

ويمكن أن تتفتق العقول عن أفكار يستجلب بها المال، والتطوير، والرفاه، والترفيه، والتأثير، دون أن نغضب ربنا الذي فجر لنا الثروات من باطن الأرض من حيث لا نحتسب، ومن غير إحداث شروخ داخلية، أو فقدان صفتنا المتميزة لدى أمة ترى بلادنا حصنها الأخير، ودرعها القيمي والأخلاقي، ومنطلق دينها وتجديده، ومأرز الإيمان، ومثوى الرسول والآل وغالب الأصحاب.