بدأت الصدمة بمنشور بثه أحد المهاجرين إلى ألمانيا في موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" يقول فيه: "الآن أنام في السيارة، المطر يهطل بغزارة، أستطيع أن أرى نوافذ بيتي، ولا أستطيع الدخول".

"أنس" - وهو اسم مستعار - أب لخمسة أولاد يعاني أكبرهم من إعاقة في الدماغ أثرت على قدرته على التحكم بجسده، كان رائعاً في عُرفنا، فاهتمامه بصحة ابنه وتعليمه فضلاً عن اهتمامه وزوجته ببقية الأولاد غدا محط أنظار الكثيرين، وكان يحمل شهادة الدراسات الإسلامية من الأزهر الشريف، وألحق بها دراسة الدكتوراه.

كنت أعرف العائلة في سوريا، وانقطع التواصل بيننا منذ أن بدأت الثورة، واستُهدفت بلدتهم القريبة من مدينتنا، ثم فرقنا الشتات. ولم أكن أتخيل أن ما سيجمعنا مرة أخرى هو شكوى يبثها الأب المكلوم على الشبكة العنكبوتية تحكي معاناة المهاجرين بين عاداتنا وما تربينا عليه وبين بلد يحكمه القانون وليست الأعراف أو التقاليد أو العاطفة، ولا تسود الشرائع بين مواطنيه.

وفي حكاية أخرى فجرتها إحدى صديقاتي التي وصلت مع عائلتها إلى السويد، كانت تخبرنا أن أطفالها يتلقون كل يوم أسئلة من قبل المشرفين في المدرسة عن طريقة معاملتنا لهم، وهل يتعرضون لتعنيف، ثم أعطوهم أرقاما هاتفية ليتواصلوا معهم فيما لو تعرضوا لأي نوع من المعاملة القاسية التي أخبروهم عنها.

وتعرضت أخرى في ألمانيا إلى تحقيقات ومراقبة وما يشبه المداهمة للتحقيق معهم حول الطريقة التي تعامل بها طفليها، وأخبرتني أخيراً أن جارة لها اشتكت من أن طفلها دائم البكاء، وأنها كانت تشك في تعرضه للتعنيف.

بدأت الأحاديث حول قانون الاندماج في ألمانيا، والذي توقع عليه العائلات مجبرة، فتكون النتيجة عدم تمكنهم من الاعتراض على ما يخالف عقيدتهم أو عاداتهم مما يقدَّم لأطفالهم في المدارس.

مشكلات الأطفال السوريين في الهجرة لا تنتهي وقد بدأت بعشرة آلاف طفل باتوا في عداد المفقودين، بين اليونان وإيطاليا وألمانيا وغيرها من تلك الدول، ولا يعلم إلا الله ما يمكن أن يتعرض له هؤلاء، وبطبيعة الحال الرقم غير دقيق، لكنه تقريبي يستند إلى تصريحات موظفي المنظمات والهيئات الإنسانية.

قضية تجارة الأعضاء نشطت أيضاً في تلك البقعة من العالم، وكانت بدايتها في مشافي النظام في سوريا، ثم لاحقت المهاجرين نحو أوروبا، لتقوم بسرقة أعضائهم في فوضى اللجوء.

كذلك الاتجار بالبشر الذي استهدف لأجله الفتيان والفتيات لتسخيرهم في أعمال العبودية، أو استخدامهم في تجارة الجنس، أو إلحاقهم بعصابات تهريب المخدرات وغيرها.

الأطفال الذين ابتلعهم البحر أثناء تلك الرحلة الخطرة أيضاً كانوا ثلث الغرقى، بينما ظنوا أنها رحلة مائية ممتعة.

أضف إلى هذا: الصدمات النفسية وما ترسب منها في نفوس الأطفال، بداية بما شهدوه في بلادهم من قتل وتنكيل، واعتقالات، ومداهمات، مروراً بالفقد، ومعاناة الرحلات الخطرة.

تبقى المشكلة الكبرى أن أكثر من مليون طفل غادروا سوريا، ومن ثم حرمت منهم ومن المستقبل الذي ربما كانوا سيضيئونه فيها.

وفي انتظار حلول لتلك المشكلات من الحكومات، والمنظمات الداعمة للاجئين، ومن الأفراد، والدعاة، أُفرد ما تبقى من مساحة لفئة من الأطفال وصلوا مع عوائلهم، ويتمتعون بنوع من الاستقرار النفسي والمعيشي وهو ما يؤهلهم لإكمال الحياة.

حياة جديدة:

تبدأ معاناة الطفل العربي المسلم في أوروبا - غالباً - مع التحاقه بالمدرسة، وبداية الاختلاط الجاد بالمجتمع الأوروبي أو الغربي بشكل عام، إذ تعاني الأغلبية هنا من أزمة الهوية، ويجتهد الواعون من الأهل والأسر للحفاظ على شخصية الطفل وانتمائه العربي والإسلامي، لإحداث توازن في تلك الحياة الجديدة فلا يضيِّع هويته، ويشعر بالانتماء لمجتمعه الأصلي وعروبته، ويحرص الأذكياء منهم على إيصال معلومات وأفكار للطفل تمنعه من الانعزال حتى عن مجتمعه الجديد، الذي سيقضي معه أياماً وسنوات طويلة من عمره وربما عمره كاملاً، ويجب أن يكون له دور فاعل مهم مشرف فيه.

اللغة أولاً:

مما لا شك فيه أن حاجز اللغة هو أول ما يصطدم به اللاجئ، وأنه من مسببات الإحباط في كثير من الأحيان، وهو سبب في حرمانه من حقوق كثيرة كان مؤهلاً للحصول عليها لو دفع الثمن وهو التعلم وحسب.

القضية أن أغلب اللاجئين وبعد دفع مبالغ طائلة، والوصول إلى بلدان المهجر بعد حكايات شقاء لا تحصى، يظنون أو يعتقدون أنهم فعلوا ما يجب، وأن وقت الراحة قد حان.

ومن ثَم تبدأ الاكتشافات المذهلة، بأن ما مر معهم هو فقط مجرد بداية، وأن الأهم هو المتابعة والاندماج، وتكوين الحياة الجديدة التي يحلمون بها بجهدهم وحدهم لا بما تقدمه الدول من مساعدات.

المسألة مهمة جداً أيضاً بالنسبة للأطفال واليافعين؛ لكن بشكل عام الأمر بالنسبة لهم أسهل وإمكانية التعلم أكبر.

رتق الفجوات:

 الفجوة بين المجتمعات أمر مفهوم، وكثيراً ما تعاني الدول التي تستضيف اللاجئين والمهاجرين من وجود مجتمعات داخل مجتمعاتها، وأمر التخلص من هذه المشكلة سهل وهو كما ذكرنا يبدأ بتعلم اللغة ومعرفة الحقوق والواجبات ومن ثَم خلق فرص العمل، وإبراز أنفسهم كأشخاصٍ فاعلين ومؤهلين وقادرين على تخطي التحديات.

المشكلة الحقيقية تكمن فيما لو حدثت الفجوة بين أفراد العائلة الواحدة، وتبدأ عندما ينطلق الأولاد في المجتمع الجديد، يتعلمون اللغة ويفهمون أساسيات التعامل، في حين ينشغل الأهل بأمور المعيشة، ويهملون هذه الأمور الأساسية، فيصبح الأطفال هم الدليل لعائلاتهم، وهو ما يخل بموازين السلطة، وتتزعزع ثقة الأهل بقراراتهم في الانتقال لهذه الحياة.

فرصة لتجربة الطرق الحديثة في التربية:

اختلال موازين السلطة لا يكون فقط في كون الأطفال أصبحوا الدليل لأهليهم وربما القادة داخل أروقة المجتمعات الجديدة، وإنما أيضاً في الطريقة التي تفرضها قوانين تلك البلاد على الأهل للتعامل مع أطفالهم، والتي تختلف جذرياً عما تعودنا عليه في مجتمعاتنا العربية من وجود السلطة في يد الآباء، واستخدام العقوبات النفسية والبدنية بشكل طبيعي وعادي، وهنا تأتي أرقام الهواتف التي تُقدم لأطفالنا وشبابنا لتهدد الأهل بفقدان أطفالهم، فنجد أن الخطوة المقابلة هي التدليل الزائد والذي يدركه الطفل بسرعة فيستخدمه استخداماً مهيناً لأنه يدرك أنهم يخشون من فقدانه لو استخدم تلك الأرقام ولو مازحاً أو غاضباً.

والحل الصحيح هو أن نتغير نحن، أسوة بكل التغييرات التي تحيط بنا، وأن نتقبل الفكرة ومن ثَم نثق بأنفسنا ونستخدم الأساليب الصحيحة والجيدة في التربية، والتي تجعل الطفل يدرك أن مكانه في بيته هو الأفضل على الإطلاق، دون تذلل أو تدليل يفسده ويفسد حياتنا.

معرفة هويته والاعتزاز بها:

طالما اعتبرت أن الطفل قيد، ولكنه قيد جميل ممتع، وضعناه بإرادتنا حول معصمنا فزينه وأثقله في آن واحد، وإن كنا في المجتمعات العربية نستطيع أن نتناسى مهمة تعليم الدين لأولادنا بحجة وجود هذا العلم في كل مكان حولهم، بداية من المسجد، المدرسة، التلفاز، إلى المجتمع بشكل عام... لكن هنا في البلاد الغربية أصبح الأمر واجباً لا مفر منه، وعليه فقد أصبح من واجب الأهل بالتأكيد تأهيل الطفل عقائدياً وفقهياً، وغرس انتمائه للإسلام في نفسه، بشرط أن يعتز ولا ينعزل، ولا يتكبر، وينظر شذراً إلى المخالف، وإلا سهل استقطابه من قبل جماعات لها مفاهيم خاطئة للدين وأحكامه، وبذلك نكون قد هيَّأنا لهم طفلنا على طبق من فضة.

كانت لي تجربتي الخاصة مع أولادي من قبل، وكنت وقتها ما زلت في مجتمعنا العربي الآمن، ولكنني استطعت فقط من خلال حكايات ما قبل النوم أن ألقنهم السيرة النبوية كاملة، وكنت أشغل لهم شرائط التسجيل فأُسمعهم القرآن وهم يلعبون فيحفظون ويتعلمون بمتعة، ولا ينبغي لأي منا في هذه المحنة انتظار معلم في مسجد أو مدرسة، بل نبدأ حالاً.

فقه الواقع أيضاً أمر مهم ويستحق، بل من الضروري الاهتمام به وتنميته وتعليمه للاجئين بشكل محبب ومبسط، بعد أن نشبعه دراسة من قبل علماء متخصصين، عرفوا معنى الحياة في تلك المجتمعات، وهو من أهم الأمور التي تيسر الحياة والتعايش وربما الدعوة.

الحلول المبتكرة

استمتعت حقيقة وأنا أتفرج على فيديو بثه أحد الآباء على مواقع التواصل الاجتماعي لابنته الصغيرة، وهي تؤدي أغنية جماعية مع أطفال أوروبيين في إحدى المدارس، وكانت الطفلة تخفض يديها بلطف عندما يقوم الأطفال الآخرون بعمل إشارة الصليب بأيديهم ومن ثَم تعود لتندمج.

تحدث الأب عن القصة التي بدأت في حديث بينه وبين طفلته حول الحفل ومشاركتها فيه، وقامت بأداء هذه الأغنية أمامه بحركاتها ليتنبه الوالد لهذه الحركة.

لم ينفعل، ولم يغضب، ولم يذهب للمدرسة مزمجراً، بل اكتفى بشرح معنى هذه الحركة لابنته، وموقفنا منها نحن المسلمين، وأشار لها بأنها يمكنها أن تجد حلاً مناسباً لها دون أن تخرج من النشاط الصفي، ودون أن تثير ضجة وتستجلب العداوات.

نستخلص من القصة أموراً ينبغي مراعاتها في دول اللجوء:

-         الحفاظ على التواصل وتحسين علاقتنا بأولادنا، والحرص على معرفة تفاصيل أيامهم مهما بلغ منا التعب والانشغال.

-         التعليم والتهيئة العقائدية من البيت، وبث روح العزة ومحبة الدين في أطفالنا دون نعزلهم بسلبيتنا.

-         أن نعلمهم أن هناك طرقاً للتعايش يستطيعون أن يهتدوا إليها لا تعزلهم ولا تسمح لهويتهم وعقيدتهم بالذوبان أو الضياع.