في أول زياره له إلى البيت الأبيض في عهد ترامب، سعى نتنياهو إلى قطف ثمار الواقع الجديد الذي فرضه الكيان الصهيوني في القدس والضفة الغربية، وعلاقات التحالف التي نجحت في إنجازها على مستوى الشرق الأوسط، وقد ركزت حكومة اليمين على التقاء المصالح مع بعض الدول العربية من أجل الوصول لشرق أوسط جديد آمن يدور في فلك السياسة الأمريكية، على أن يكون خالي من الصراع العربي الإسرائيلي.

في ظل قدرتها على توفير البيئة المساعدة، تحاول حكومة نتنياهو حل القضية الفلسطينية وفق رؤية سياسية شاملة، تقوم على تبادل الأراضي على مستوى المنطقة ككل، بما يضن قيام دولة فلسطينية في غزة، بعد أن يُضاف إليها مساحة أرض من شمال سيناء تعادل ضعف مساحة قطاع غزة الحالي، لذلك فهي تتطلع إلى تنازل الفلسطينيين عن مساحة الأرض التي تُسيطر عليها المستوطنات، والتي تُقدر من 40% إلى 60% من مساحة الضفة الغربية.

تنطلق رؤية نتنياهو حول حل الصراع من عدة اعتبارات، أهمها التحول الكبير في السياسة الأمريكية، فالعنصري ترامب لم يجد حرجاً عندما يقدم هدية ثمينة لنتنياهو قبل وصوله إلى البيت الأبيض، ففي 15 فبراير الماضي، أكد الناطق باسم البيت الأبيض على أن الإدارة الأمريكية لم تعد متمسكة بحل الدولتين، وأنها تقبل أي حل يرتضيه طرفي الصراع عبر التفاوض.

ولم تعد إدارة ترامب معنية بذلك التوازن النسبي في موقفها تجاه الصراع، فيهودية الدولة بات مطلب أمريكي قبل أن يكون صهيوني، وإذا كانت إدارة الرئيس السابق أوباما ترفض الاستيطان الصهيوني، وأظهرت في مناسبات عدة موقفها المؤيد لحل الدولتين بغض النظر عن التفصيلات أو التعديلات التي جاءت ضمن خطة جون كيري، إلا أن إدارة ترامب لا تلقي بالاً لحلفائها العرب والمسلمين حينما تعلن موقفها بشكل واضح تجاه القضية الفلسطينية،  كما أن حل الدولتين بات شيئاً من الماضي بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية.

وإذا كانت إدارة أوباما قد قدمت كل أشكال الدعم المالي والعسكري للكيان الصهيوني، كما أكد كيري في خطابه الأخير، فإن إدارة ترامب تسعى لمساعدتها عبر توفير الدعم السياسي الذي من شأنه أن يُمكنها من فرض حل الأمر الواقع على الفلسطينيين، لكن ذلك الأمر يحتاج إلى دعم من المحيط العربي والاقليمي، لذلك تسعى الادارة الأمريكية إلى ربط حل الصراع بالملف الإقليمي.

إن الربط بين العملية السلمية وملفات أخرى، كالخطر الإيراني المزعوم لم يعد خافياً على أحد، وهذا ما يمكن قراءته بين سطور حديث نتنياهو عن تقارب صهيوني مع دول عربية، وما ألمح إليه ترامب حول تكوين تحالف عسكري جديد في المنطقة.

تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي، أكدت على أن التحالف سيكون مدخلاً لحل القضية الفلسطينية، مؤكداً على توفر فرصة كبيرة لإحلال السلام في المنطقة، من خلال اقتراب إقليمي يشمل دولاً عربية، وقد عقب ترامب بالقول، أن هذا أمر غير مسبوق، وإننا على أعتاب صفقة هي أكبر من اتفاق، وستشمل دولاً كثيرة، وسوف تُغطي مساحة إقليمية كبيرة على حد تعبيره.

التحالف العسكري المنشود الذي أشارت إليه صحيفة "وول ستريت جورنال"، بات يشكل خطوة أولى نحو التخلص من القضية الفلسطينية، لأن حلم التخلص من ذلك العبء بدأ يراود بعض النظم العربية التي تتطلع أيضاً إلى التخلص من قوى الاسلام السياسي، خاصةً وأن إدارة ترامب تعتبر الاسلام عدوها الأكبر، وأبدت استعدادها في مناسبات مختلفة لوضع جماعات اسلامية بعينها على قائمة الإرهاب.

ولا شك في أن التحالف العسكري يحتاج إلى مبررات، على الأقل لإقناع الرأي العام العربي بأهميته، وهو أمر تدركه إدارتي ترامب ونتنياهو جيداً، فهما معنيتان بتضخيم الخطر الإيراني من أجل خلق "شرق أوسط" جديد، عنوانه الابرز هو تشكيل حلف جديد يضم الدول العربية، بما يجعل القضية الفلسطينية خارج سلم أولويات المنطقة والعالم.

هذا ما أكده نتنياهو لمحطة CNN حينما أشار إلى أن دولاً عربية كثيرة لم تعد تعتبر الكيان الصهيوني عدواً، بل حليفاً في مواجهة إيران وتنظيم الدولة، لذلك فإن التوافق الأمريكي الصهيوني حول المقاربة الاقليمية، كان سفير ترامب الجديد لدى الكيان "ديفيد فريدمان" - الداعم الأكبر لسياسة الاستيطان الصهيونية -، قد أكد عليه بشكل صريح حينما أشار إلى أن العرب والصهاينة يوحدهم القلق من إيران وهي دولة داعمة للإرهاب.

في ضوء تلك التحركات الأمريكية الصهيونية واحتمالية تجاوب بعض الدول العربية معها، وفي ظل صعوبة الحديث عن حل الدولتين الذي انتهى عملياً، يبقى السؤال المهم مطروحاً، ما هي الخيارات المتاحة، وأي شكل للحل سيكون عليه الواقع الفلسطيني في المستقبل؟ هل بالإمكان طرح حل الدولة الواحدة ؟

فيما يتعلق بالدولة الواحدة ثنائية القومية، بات في حكم المؤكد أن المكونات السياسية الصهيونية، بيمينها ويسارها، تخشى ذلك التضخم الديمغرافي الفلسطيني وتعتبره خطراً يهدد الكيان، لذلك رفضها لفكرة الدولة الواحدة التي ستفرض تقاسماً للسلطة مع الفلسطينيين هو رفض مطلق.

وإذا كان خيار حل الدولتين قد انتهى، ولم يعد هناك مجالاً لخيار الدولة الواحدة، فـ عن أي حلول يتم الحديث؟ تصريحات الوزير الصهيوني، "أيوب القرا" تُجيب على هذا السؤال، خاصةً وأنه تحدث عن مخطط إقامة دولة فلسطينية في سيناء، مع تحويل مناطق "أ" التي تُسيطر عليها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية إلى مناطق حكم ذاتي دون أي سيادة للفلسطينيين عليها، مع إمكانية تهجير السكان العرب من أراضي 48 إلى مناطق السلطة الفلسطينية، وهو ما ألمحت اليه تصريحات ليبرمان أول أمس، حينما أشار إلى "عدم وجود مبرر لبقاء مواطني "أم الفحم" اللذين يُعرفون أنفسهم كفلسطينيين، كمواطنين في دولة إسرائيل".   

أمام هذا الواقع المؤلم الذي فرضه الاحتلال الصهيوني مستغلاً ذلك التقاعس الفلسطيني الرسمي، تؤكد تجربة السلطة الفلسطينية على، أنها ستواصل سياسة بيع الوهم على الشعب الفلسطيني، لأنها أظهرت عجزاً عن وقف التنسيق الأمني، كما أنها تكاد تكون الطرف الوحيد الذي يدعي أن حل الدولتين ما زال قائماً، وتذهب لأبعد من ذلك حينما تؤكد على أن أحداً لا يستطيع تجاهل القيادة الفلسطينية التي ترفض التنازل والتمسك بالثوابت الوطنية.

ثمة ما يدعوا إلى الاعتقاد أن السلطة الفلسطينية ستُبقى على خيار الذهاب إلى مجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية، خصوصاً وأنها تعلن بشكل صريح رفض الحلول الإقليمية، لكن كل ذلك يفتقد إلى الخطوات العملية، كما أن احتمالات نجاح هذا الخيار تبدو صفرية، لأن قرارات مجلس الأمن لم تنجح في إلزام الكيان من قبل.

خيار المضطر الذي تتمسك به قيادة السلطة الفلسطينية، لا يشكل ضغط على الكيان ولا يثير غضبه، لأن ضبط الأمن في الضفة الغربية، لا يُعرقل الاحتلال عن انضاج طبخته الإقليمية، خصوصاً إذا علمنا وفقاً لمصادر خاصة، أن ما يدور في أروقة الرئاسة الفلسطينية في رام الله الآن لا يتعدى مسألة الحفاظ على بقاء الشعب الفلسطيني على الأرض، بغض النظر عن ما يبتلعه الكيان الصهيوني من أراضي في الضفة الغربية.

تمسك السلطة الفلسطينية بهذا الخيار العدمي لا يعني أنها تفتقد لأية خيارات أخرى، فاللجوء الى  الشعب الفلسطيني وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين في سجونها، ووقف التنسيق الأمني، وتطبيق ما تم الاتفاق عليه أثناء لقاءات المصالحة مع حماس وتشكيل حكومة وفاق وطني أمراً ما زال ممكنا، حتى وإن تعرضت لضغوط ومحاصرة صهيونية وأمريكية وإقليمية.

وبالرغم من حساسية الظروف الاقليمية، إلا أن الفرصة ما تزال مواتيه أمام السلطة الفلسطينية، فبإمكانها الاعلان عن فشل مشروع التسوية وحل نفسها، وإلقاء عبء تمثيل الشعب الفلسطيني إلى أحضان مؤتمر القمة العربية الذي سيُعقد الشهر القادم في عمان، فإذا ما أقدمت على تلك الخطوة وتركت المواجهة للشعب الفلسطيني، الذي سيرفض كل الحلول الإقليمية بالتضحيات، ستجد الدول العربية نفسها عاجزة عن المشاركة في أي حلول إقليمية، لأن تحميل الدول العربية المسئولية المباشرة عن حل القضية الفلسطينية في هذه المرحلة، من شأنه أن يجعل العواصم العربية في موقف لا تُحسد عليه أمام مشروع الحل الإقليمي الذي يسعى إليه الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية.