في خطوة تعكس تعميق وتجذر التعاون الإستراتيجي بينهما في مواجهة ما يعتبرانه "الإسلام المتطرف"، اتجهت روسيا والكيان الصهيوني إلى مأسسة التنسيق بينهما عبر إرساء آليات لتبادل المعلومات الاستخبارية والاستفادة من الخبرات المشتركة التي اكتسبتها الأجهزة الأمنية لدى الطرفين في هذا المجال.

ومن الملاحظ أن روسيا تحديدا هي التي تبدي حرصا على الإفادة من الخبرات الصهيونية، حيث أن هناك ما يدلل على أن الروس يبدون "إنبهارا" بالقدرات الصهيونية في هذا المجال، وهذا ما دفع نائب وزير الخارجية الروسي أولغ سيرمولوطوف للقيام الأسبوع الماضي بزيارة لتل أبيب لمناقشة هذه القضية مع عدد من كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين الصهاينة.

وهناك ما يدلل على أن الروس، كما عبر عن ذلك سيرمولوطوف، يبدون استعدادا لـ "مكافأة" الصهاينة على خدماتهم من خلال إبداء مؤشرات واضحة على حرص موسكو على احترام مصالح تل أبيب في سوريا تحديدا، ولو بثمن التضحية بمصالح إيران وحزب الله.

وتكتسب الزيارة التي قام بها سيرمولوطوف، الذي تولى في السابق منصب قائد "استخبارات مكافحة الإرهاب" في جهاز الأمن الروسي الفيدرالي أهمية خاصة، حيث أنه هو الذي يتولى مهمة إدارة ملف الحرب على الإرهاب في الخارجية الروسية.

وعلى الرغم من أنه يفترض أن يكتنف هذا النوع من الزيارات السرية، إلا أن سيرمولوطوف لم يحرص فقط على الإعلان عن وجوده في تل أبيب، بل أنه لم يتردد في الموافقة على إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام الصهيونية.

وقد دافع سيرمولوطوف في مقابلة مع صحيفة "جيروسلم بوست" الصهيونية عن قرار التعاون مع تل أبيب في مواجهة ما سماه "الإرهاب الإسلامي"، حيث أشار إلى أن الخبرات الكبيرة التي تمتلكها كل من روسيا والكيان الصهيوني في مجال الإرهاب الإسلامي تستوجب التكامل بما يضمن تحقيق أكبر من النتائج في المواجه مع "الإرهاب".

وتدلل التصريحات التي أطلقها سيرمولوطوف على النفاق الروسي وازدواجية خطابها ومعاييرها، حيث أنه يتضح من هذه التصريحات أن موسكو التي تدعي تأييدها للفلسطينيين وتوافق على إجراء حوارات مع الحركات الإسلامية الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، تعتبر في المقابل تعتبر أن التجربة الصهيونية في مواجهة هذه الحركات حقل يمكن لموسكو أن تفيد منه، علاوة على أن هذا إقرار بأن الروس يعتبرون هذه الحركات حركات إرهابية من ناحية واقعية.

وقد وصلت الأمور إلى حد أن سيرمولوطوف ربط بين ما أسماه "إرهاب" الجماعات الإسلامية في جنوب القوقاز و"الإرهاب" الذي يقاتله الكيان الصهيوني، في إشارة إلى حركات المقاومة الفلسطينية دون أن يسميها. وطالب سيرمولوطوف بدمج التجربتين الصهيونية والروسية بشكل يسهم في  إيجاد تصور عالمي واسع لمواجهة "الإرهاب".

وبدا سيرمولوطوف معجبا بشكل خاص بالآلية الصهيونية في مواجهة الحركات الإسلامية، حيث قال أن الاتحاد الروسي  والكيان الصهيوني يملكان تجربة تستند إلى عمل شاق يعتمد على معلومات يمكن الحصول عليها من مصادر استخبارية بشرية، إلى جانب الإفادة من الخبرات التي يمكن الحصول عليها من مواجهة عمليات "إرهابية" حدثت في الماضي وتواصل الحدوث حاليا".

ويجاهر سيرمولوطوف بالقول إن روسيا وإسرائيل مطالبتان باتباع عدة طرق للتعاون في مواجهة "الإسلام المتطرف"، وعلى رأسها تبادل المعلومات الاستخبارية، منوها إلى أن هناك تعاون بين الجانبين، سيما عبر القنوات الدولية.

 وامتدح سيرمولوطوف التعاون الدولي في مواجهة الإرهاب، حيث اعتبره أكبر وأهم جزء من العمل" في هذه المواجهة التي تتعاون تل أبيب وموسكو فيها، حيث أشار إلى أن التعاون الثنائي الروسي الصهيوني في المواجهة العالمية ضد الإرهاب، سيما ضد "الإرهابيين الأجانب" يهدف إلى إيجاد "قاعدة بيانات تتضمن قائمة بأسماء الإرهابيين الأجانب"، مشيرا إلى أن قاعدة البيانات "تسهم في بلورة  نظام لمراقبة تحركات الإرهابيين الأجانب علاوة على أنها تسهل عملية تسليم هؤلاء الإرهابيين من دولة إلى أخرى".

 وفيما يمثل "مكافأة" روسية للكيان الصهيوني، تعهد سيرمولوطوف باسم روسيا بأن يغادر حزب الله والحرس الثوري الإيراني الأراضي السورية بمجرد انتهاء المواجهة هناك.

وأعاد سيرمولوطوف للأذهان حقيقة فإن الحكومة السورية دعت كلا من إيران وحزب الله لمساعدتها في "الحرب الأهلية " الدائرة هناك، مشددا على أنه وبمجرد أن ينتهي القتال سيغادر حزب الله والحرس الثوري سوريا، إلى جانب كل التشكيلات المقاتلة التي قدمت من خارج سوريا". وشدد سيرمولوطوف على أن روسيا تتفهم مخاوف الكيان الصهيوني من تواجد إيران وحزب الله في سوريا "وتتفهم بشكل خاص المخاوف الصهيونية من إمكانية بقاء حزب الله والحرس الثوري بعد انتهاء الحرب في سوريا.

لكن ما كان مثيرا حقا هو ما كشفه تحديدا يعكوف ليفين رئس الدائرة الآسيوية الأوروبية في وزارة الخارجية الصهيونية، حيث أقر بأن مستويات حكومية مختلفة في روسيا والكيان الصهيوني تتعاون يوميا في معالجة عدد هائل من القضايا، وضمنها قضايا متعلقة بمواجهة "الإرهاب". وهذا يدلل على اتساع وعمق التعاون بين الجانبين في شقه الأفقي والرأسي.

وحسب ليفين فأن زيارة سيرمولوطوف تعكس  التطور الكبير الذي حصل على مستوى  العلاقات بين الجانبين، مشيرا إلى أن "مستويات حكومية مختلفة في روسيا وإسرائيل تتعاون يوميا في معالجة عدد هائل من القضايا، وضمنها قضايا متعلقة بمواجهة الإرهاب".

 وامتدح ليفين بشكل خاص ما أسماه قدرة روسيا والكيان الصهيوني على التوصل لـ "فهم قريب وجيد حول قائمة من القضايا المتعددة"، معربا عن أمله أن تسهم زيارة سيرمولوطوف في "تحسين الفهم المشترك".