في زيارة مفاجئة وغير معلنة وصل وزير الخارجية السعودية عادل الجبير إلى مدينة بغداد العراقية السبت 25 فبراير/ شباط بعد مقاطعة طويلة استمرت قرابة 14 عاماً، وسط حالة متذبذبة في العلاقة بين البلدين بسبب التدخل الإيراني السافر في الشأن السعودي حتى وصل إلى درجة استهداف السفير السعودي في بغداد ثامر السبهان ومحاولة اغتياله، ووصل الأمر إلى طلب العراق من السعودية بتغيير السفير السبهان بعد اتهامه بالتدخل في الشأن العراقي حسب بيان للخارجية العراقية.

وإن كان قد ظهر على الزيارة طابَع الرسمية عبر الخطاب الودي المتبادل حول أهمية التعاون بين البلدين وتعزيز الشراكة ومحاربة الإرهاب وفتح المجال التجاري بين البلدين واستمرار تدفق العاملين إلى السعودية وكذلك فتح منفذ جميمة بين العراق والمملكة وملف تشغيل الخطوط الجوية المباشرة بين البلدين، إلا أن هناك أبعاداً سياسية واستراتيجية غير معلنة كانت هي الهدف الأساسي وراء هذه الزيارة المفاجئة.

وعلى ما يبدو فإن هذه الزيارة قد فاجأت العراقيين أنفسهم، على رأسهم رئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير الخارجية الجعفري وأُسقط في أيديهم في الوقت الذي ظنوا فيه أن السعودية قد انكسرت في العراق وتركته لإيران تهنش منها كيفما شاءت.

وقد جاءت هذه الزيارة لعادل الجبير متوافقة مع زيارة وزير الدفاع الأمريكي الجديد جيمس ميتيس إلى بغداد في زيارة غير معلنة أيضاً للاطلاع على الوضع عن قرب وإرسال رسالة لحيدر العبادي أن الأمريكان باقون في العراق ما بقيت إيران، خصوصاً في ظل الحديث عن تغير الموقف الأمريكي في عهد ترامب مع إيران.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الزيارة المفاجئة جاءت بعد ترتيب واضح بين السعودية وواشنطن ولعبت السفارة الأمريكية في العراق دوراً كبيراً في الكتمان والحماية واللوجست، فجاءت الزيارة مباغتة للوزير الجبير باعتباره أرفع مسؤول في الخارجية السعودية ومن ثم سيكون للزيارة ما بعدها في الأيام المقبلة.

ويعلم الجميع أن العراق قد أصبحت شبه محتلة من الميليشيات الإيرانية وأن قاسم سليماني هو من يدير غرف العمليات العسكرية في الموصل وغيرها من المحافظات وأن الحشد الشعبي المدعوم من إيران يمارس كل أشكال القتل والتهجير والطائفية ضد أهل السنة في كل المحافظات العراقية السنية، وأن السعودية غابت خلال الفترة الماضية عن العراق تجنباً للمواجهة المباشرة مع إيران وميليشياتها وحرص السعودية على عدم إقحام نفسها في الشأن العراقي الداخلي، لكن الأمر تغير الآن بعد أن تمادت إيران في الغطرسة بالمنطقة ووجب أن يكون هناك دور إيجابي وحضور حقيقي للسعودية في العراق لكي تمثل عامل توازن مع الوجود الإيراني.

ولذلك جاءت هذه الزيارة الكبيرة لإرسال رسائل تطمين للإدارة الأمريكية بأن السعودية قادرة على العودة بقوة وأن لديها الروح الحيوية والقدرة على الوقوف في المكان الصحيح في الوقت الصحيح، وهذا ما حدث. كما لا يمكن إغفال الرسالة المباشرة للشعب العراقي بأن السعودية ستكون قريبة منكم ولن تبتعد كثيراً، كما أن التنسيق السعودي التركي لن يغيبَ عن هذه الزيارة على ما يبدو وفي هذا جانب إيجابي كبير لمصلحة الشعب العراقي.

وقد جاءت الزيارة بعد تهديدات مباشرة للسعودية من قبل ميليشيات الحشد الشعبي التي أطلق عليها عادل الجبير نفسه أنها "مؤسسة طائفية بحته" تهدد وحدة العراق وأمنه، واتهمها بارتكاب مجازر بحق السنة في عدة مناطق عراقية وبالذات في الأنبار، وبعد تغير الموقف السياسي والعسكري للسعودية مع إيران وميليشياتها في المنطقة والدخول المباشر في المعركة مع الحوثي المدعوم من إيران في اليمن.

ولذلك نستطيع القول: إن سعودية الأمس غير سعودية اليوم، وزيارة الجبير إلى العراق في هذا الوقت الحرج وحالة العداء الواضحة بين إيران والسعودية وتصريحات الجبير بأن إيران هي الراعي الأول للإرهاب في المنطقة تمثل تهديداً مباشراً وتحدياً واضحاً لإيران التي لم نسمع لها أي تعليق على هذه الزيارة.

كما أن الجبير استغل حدثين هامين وقعا في الأسبوعين الماضيين، وهما: زيارة روحاني إلى مسقط والكويت من أجل محاولة فتح حلقة حوار بين الخليج وإيران. والحدث الثاني: زيارة وفد إيراني إلى السعودية لمناقشة تدابير دخول حجاج إيران إلى السعودية هذا العام بعد أن امتنعت إيران عن إرسال وفدها للحج العام الماضي.

ولعل من نافلة القول التذكير بأنه مهما كان الوجود الإيراني العسكري والميليشياتي في العراق، إلا أن السعودية لديها الأدوات الكافية لكي تعمل على حد هذا التدخل السافر لإيران في العراق، فالسعودية دولة عربية لها عمق جغرافي وديني وعروبي وإسلامي وعلاقات ودية تاريخية، وبإمكانها أن تساعد العراق في الكثير من الملفات؛ لأن هدفها البناء وليس التخريب كما تفعل إيران، والشعب العراقي يفهم هذا من خلال التجربة والواقع المعاش.

ومن الجيد القول: إن إيران مهما تغيرت السياسة الأمريكية تجاهها ومهما حاولت أن تمد يدها للحوار مع الخليج ومهما ادعت أنها تحارب الإرهاب وتدعم الشعب العراقي؛ فإنها تمارس التقية السياسية فيد تمدها للحوار وأخرى تمارس الحرب والتخريب وتشييع الشعب العراقي وتهجيرهم طائفياً، ولذلك من الصحيح أن يتم منافستها وزحزحتها عن الوجود في العراق وإجبارها على التراجع بقوة الوجود السياسي والعسكري.

ولعل الفرصة الآن مواتية لاستغلال الحَنَق "الترامبي" على إيران وإعادة تشكيل التحالفات في العراق وتموضع السعودية بشكل يمنع من تمدد نار إيران، وسعيها نحو إعادة الأمور إلى التوازن خصوصاً في ملف تشييع المدن السنية والتهجير الطائفي الذي تمارسه ميليشيات الحشد الشعبي في الموصل وغيرها من المحافظات التي تم تحريرها من داعش.

ومن الطبيعي أن تستمر المنافسة الشرسة بين السعودية وإيران على أرض العراق، لكن الأولوية هي للسعودية التي لا تبحث عن مصالح خاصة لها في العراق بقدر بحثها عن أمن واستقرار الشعب العراقي، أما إيران فلها أهداف كثيرة من الحضور في العراق ليس أولها نهب الأموال العراقية وليس أخرها زرع الفتنة الطائفية بين العراقيين وممارسة تصدير المذهب بالعنف ووضع العين الشريرة على الحدود السعودية.