كثيرة هي الجرائم التي مارستها قوات النظام السوري بحق الشعب المعزول الذي خرج يطالب بحريته وكرامته ويمارس أبسط حقوقه في التعبير عن آرائه ومطالبته بالعيش الكريم وتغيير النظام القمعي الفاسد الذي أجهز على الشعب منذ عشرات السنين، منذ حافظ الأسد مروراً بابنه بشار المجرم. لكن التقرير الأخير الذي أصدرته منظمة العفو الدولية "إمنستي" حول سجن صيدنايا الذي يقع في شمال دمشق كان صادماً للغاية، ويكشف جزءاً ضئيلاً من المعاناة والظلم الذي يتعرض له المدنيون والسياسيون والعسكريون الذين يعارضون نظام بشار الأسد.

ويعد هذا السجن من أكبر السجون في سوريا وأسوئها سمعة؛ إذ شكل طيلة عقود مركز اعتقال للسجناء السياسيين، قبل أن يتحول بعد انطلاق الثورة السورية في عام 2011م إلى معتقل للناشطين المدنيين المعارضين للنظام الأسدي، بينهم طلاب وشبان خرجوا في تظاهرات مناهضة للأسد، فضلاً عن أطباء وممرضين عملوا على إسعاف الجرحى؛ حيث أصبح شاهداً على عمليات تعذيب وإعدامات جماعية.

يقع سجن صيدنايا العسكري، الذي يتولى الجيش السوري إدارته، على بعد 30 كيلومتراً شمال دمشق، ويضم آلاف المعتقلين من المدنيين والعسكريين الذين تم اعتقالهم بسبب مشاركتهم في الثورة السورية في أقبيته. وطالما روى المعتقلون الناجون منه شهادات مروعة وثقتها منظمات حقوقية دولية أبرزها منظمة العفو الدولية.

ويتألف السجن من مركزي احتجاز فيهما ما بين 10 آلاف و 20 ألف شخص. ويشكل المدنيون غالبية المحتجزين في المبنى الأحمر، بينما يُحتجَز ضباط وجنود سابقون في المبنى الأبيض، وفق منظمة العفو.

وتنقل المنظمة في تقرير سابق أصدرته في 19 آب/ أغسطس الماضي عن أحد المعتقلين السابقين أن السجن يتكون من 48 غرفة احتجاز، كل منها بطول مترين وعرض 1,8 متر، أو مترين ومترين ونصف. ويضطر السجناء داخل الغرفة الواحدة إلى التناوب على النوم بسبب ضيق مساحة الغرف.

وقمعت السلطات السورية في تموز/ يوليو 2008 عصياناً استمر عدة أسابيع، قتل خلاله 17 سجيناً بحسب منظمة العفو. وقالت دمشق حينها: "إن مساجين محكومين بجرائم التطرف والإرهاب أقدموا على إثارة الفوضى والإخلال بالنظام العام في السجن واعتدوا على زملائهم".

التقرير الأخير الذي وثقته منظمة العفو الدولية ونشرته في الثلاثاء 7 فبراير/ شباط الحالي، وصفت فيه السجن "بالمسلخ البشري"، ووثقت تنفيذ السلطات السورية في الفترة الممتدة بين عامي 2011 و 2015، إعدامات جماعية سرية شنقاً بحق 13 ألف معتقل، غالبيتهم من المدنيين المعارضين.

الإعدامات جرت أسبوعياً أو ربما مرتين في الأسبوع، وفق "العفو الدولية"، التي وصفت الإعدامات بأنها "سرية"، واقتيدت خلالها مجموعات تضم أحياناً 50 شخصاً، إلى خارج زنزاناتهم، وتم شنقهم.

واستندت المنظمة في تقريرها الذي جاء في 52 صفحة، إلى تحقيق معمق أجرته على مدار عام كامل، كما ذكرت، وتضمن مقابلات وشهادات لـ 84 شخصاً، بينهم حراس سابقون في السجن، ومسؤولون ومعتقلون وقضاة ومحامون، إضافة إلى خبراء محليين ودوليين.

وأوردت العفو الدولية أن السجن "هو المكان الذي تقوم الدولة السورية فيه بذبح شعبها بهدوء"، موثقة إخضاع السجناء لمحاكمات عشوائية وضربهم ثم شنقهم "في سرية تامة".

وقتل آخرون داخل غرف مكتظة لا تصلها أشعة الشمس جراء التعذيب والحرمان من الطعام والشراب والرعاية الطبية.

ومن بين أساليب التعذيب المتبعة في السجن وفق المنظمة: الضرب المبرح "بقضبان من السيلكون أو بقضبان معدنية أو بأسلاك كهربائية"، فضلاً عن الصعق بالكهرباء ونزع أظافر الأيدي والأرجل والسلق بالمياه الساخنة.

ونقل التقرير عن أحد السجناء السابقين في صيدنايا، وقد عرف عنه باسم مستعار هو نادر قوله: "كل يوم كان لدينا في عنبرنا اثنان أو ثلاثة أموات (...) أتذكر أن الحارس كان يسألنا يومياً  كم ميتاً لدينا. كان يقول: غرفة رقم 1، كم؟ غرفة رقم 2، كم؟ وهكذا دواليك".

أحد المخلَّى سبيلهم قال للمنظمة: إن ما شاهده في صيدنايا لم يشاهده في أي مكان، "ولا حتى في مضايا التي حوصر سكانها منذ  حزيران 2015 ، فقد خرجت من السجن أزن 50 كيلوغرامًا، بعد أن خسرت 40 كيلوغرامًا منذ لحظة اعتقالي وكنا نعاني جميعًا من الأمراض والجوع".

شاهد آخر تحدث عن دخول السجناء الجدد قائلاً: "يمارس الجنود طقوس الضيافة مع كل مجموعة جديدة ويستخدمون مختلف الأدوات في الضرب من الأسلاك الكهربائية، والخراطيم البلاستيكية والقضبان المعدنية، كما استحدثوا (حزام الدبابة)، وهو أداة مصنوعة من إطار سيارة قطع إلى شرائط طولية، ويحدث صوتًا يشبه فرقعة انفجار صغير".

واعتبرت منظمة العفو الدولية أن الإعدامات في سجن صيدنايا "تصل إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بتفويض من الحكومة السورية على أعلى المستويات".

وهذه ليست المرة الأولى التي تُتَّهم فيها دمشق بارتكاب "جرائم حرب" منذ بدء الثورة السورية في عام 2011، والتي أسفرت حتى الآن عن قتل أكثر من 310 آلاف شخص.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، يوجد حاليا أكثر من 200 ألف شخص بين معتقل ومفقود في سجون النظام منذ عام 2011.

وتتكرر التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية بشكل دوري، وتوثق جميعها أوضاعًا سيئة يعيشها المعتقلون، في ظل نقص الطعام والدواء، والشروط الصحية داخل المعتقلات.

وهذا ما ظهر في 50 ألف صورة لجثث معتقلين في سجون النظام السوري، التي سرَّبها "قيصر" المنشق عن الشرطة العسكرية، وظهر عليها أشد أنواع التعذيب.