الرباط

بعدما اجتاحت رياح الربيع العربي المنطقة، بداية 2011 في ثورات هزت عروش أنظمة وأسقطت أخرى، وبوأت الاستحقاقات الانتخابية التي تلتها أحزاب التيار الإسلامي صدارة المشهد وتولت الحكم في كل من تونس والمغرب وليبيا، اتجهت أنظار العالم إلى الجزائر، مرتقبة وصول إسلامييها إلى السلطة عبر بوابة الانتخابات، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، واستمر النظام الجزائري الذي يحكم الجنرالات السيطرة عليه متحكما في اللعبة السياسية بالبلاد دون أن يتأثر بما جرى ويجري في محيطه العربي والإقليمي.

غير أن سنة 2017 التي تمثل سنة انتخابية بامتياز في بلاد المليون شهيد، بدأت تحركات الأحزاب الإسلامية الجزائرية تظهر بشكل لافت وأطلقت دينامية جديدة تقوم أساسا على رص الصفوف وتوحيد الجهود استعدادا لخوض الانتخابات البرلمانية المزمع تنظيمها في أبريل القادم، ممنية النفس بتحقيق انتصار سياسي يعيدها إلى الواجهة ويمحي خيبة الفشل والتراجع الذي لازمها طيلة السنوات الماضية، بسبب الانشقاقات التي عرفتها التيارات الحركات والجماعات الإسلامية فيما بينها.

وفي إطار مساعي التوحيد والتكتل، أعلنت خمسة أحزاب إسلامية تشكيلها تحالفين سياسيين استعدادًا للانتخابات التشريعية المقبلة، تمهيدا لإعلان اندماجهما في تحالف موحد لاحقًا، يمكن أن يكون له ثقل سياسي وازن في البلاد، حيث ضم التحالف الأول في صفوفه أحزاب جبهة العدالة والتنمية وحركتي النهضة والبناء الوطني، فيما شكل التكتل الثاني، حزبا حركة مجتمع السلم وجبهة التغيير، حيث يرتقب أن يجتمع رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله، مع رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، في وقت لاحق للاتفاق على شكل التعاون والتنسيق الذي سيجمع التكتلين في الانتخابات القادمة.

وأطلق على التحالف الأول، الذي أعلن عنه بشكل رسمي، السبت 21 يناير الجاري، الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء، بقيادة رئيس جبهة العدالة والتنمية، عبد الله جاب الله، الذي اعتبر في تصريحات إعلامية سابقة، أن مشروع التحالف السياسي الاستراتيجي الوحدوي بين جبهة العدالة والتنمية وحركة النهضة وحركة البناء الوطني، يمثل خطوة ضمن مشروع "لمّ شمل المدرسة الوسطية، وكذا الإجراءات الضرورية للاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة"، مؤكدا أن العمل الوحدوي "فريضة شرعية وحتمية واقعية وخيار استراتيجي أملته واجبات حماية البلاد من التحرشات الأجنبية وانعكاسات التطرف والفساد وتعميق وإحياء قيم الفاتح من نوفمبر في حياة الأجيال الجديدة".

وكانت حركة النهضة، قد أعلنت في بيان للدورة الاستثنائية لمجلس الشورى الذي عقدته في 6 يناير الجاري، التبني والمصادقة بشكل شبه إجماع على مشروع التحالف السياسي الاستراتيجي الوحدوي بين حركة النهضة وجبهة العدالة والتنمية وحركة البناء الوطني ومباشرة إجراءاته التنفيذية"، ودعت مناضليها إلى "الوقوف صفًا واحدًا من أجل إنجاحها والعمل على توسيع دائرة داعميها".

وفي نفس اليوم، 6 يناير الجاري، عقدت بدورها، حركة مجتمع السلم، التي تعد أكبر حزب إسلامي في الجزائر، دورة استثنائية لمجلس الشورى، ناقشت فيه "وثيقة اتفاقية الإطار للوحدة الاندماجية والتنظيمية مع جبهة التغيير"، التي وقعها عبد الرزاق مقري وعبد المجيد مناصرة، توجت بالتأكيد على ضرورة المضي في هذا المسعى والسعي إلى تعزيز الضمانات الكفيلة بإنجاحه وحمايته عبر الملحق المتفق على إنجازه بين الطرفين الذي سيتبع وثيقة الاتفاق، حيث أن الاتفاق سينهي حالة الانقسام بين الهيئتين بعدما تفجرت الاختلافات بين أعضائها حول الزعامة، إذا أن قيادات جبهة التغيير، جلها من خريجي مدرسة الشيخ محفوظ نحناح، المؤسس الفعلي للحركة ومنظرها.

وشددت "حمس" في بيان لمجلس الشورى، على أن المساعي ستضل مستمرة مع حركة "البناء لاستكمال الوحدة بين أبناء المدرسة الواحدة جميعا على النحو الذي تركه الشيخ محفوظ نحناح، رسالة وفكرة ومنهجا وتنظيما"، كما اعتبر المجلس أن الخطوة التي تمت "تعد إنجازا مهما للجزائر وخطوة تاريخية جاءت في وقتها للمساهمة في نشر ثقافة الوحدة والتآلف في بلادنا والتعاون والتوافق بين العائلات السياسية الكبرى وجميع الوطنيين النزهاء من أجل حفظ وحدة الوطن واستقراره وازدهاره وصيانته من مخاطر الفساد والأحادية واللامسؤولية المضرة بحاضره ومستقبله".

ويرى مراقبون للشأن الجزائري، أن التكتلات التي أعلن الإسلاميون الدخول فيها، يفرضها الوضع السياسي القائم في البلاد، والذي دفع المواطنين إلى الانسحاب من المشهد السياسي والعزوف عن الاهتمام بالشأن والحياة العامة، بسبب ما اعتبروه "زحف الرداءة السياسية، التي أنتجت سوء تمثيل الشعب، وجعل الدولة الجزائرية أمام خطر حقيقي يهيئ الأجواء للانخراط في مخططات خارجية قد تهدد أمنها واستقرارها".

ويراهن إسلاميو الجزائر على إحداث هذا التحالف، لبعث رسالة أمل إلى الشعب الجزائري بهدف الالتفاف حول مشروعها الإصلاحي خدمة للبلاد ومصالحها، خصوصا بعد الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها في الأعوام الأخيرة، بعد تراجع مداخيل وإيرادات النفط والغاز إثر انهيار أسعارها في السوق العالمية طيلة السنوات الماضية، بالإضافة إلى انسداد الأفق السياسي في البلاد التي يحكم العسكر قبضته عليها، منذ وصول الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة سنة 1999 إلى الحكم، وحتى اليوم، مازال رئيسا رغم أن حالته الصحية حرجة.

وفي قراءة أخرى لتحركات الأحزاب الإسلامية في الساحة السياسية الجزائرية، يرى العديد من المراقبين أن تحركات قادة التيار الإسلامي تأتي لتدارك التراجع الكبير الذي حققوه في المحطات السابق، وأنهم لا "ينتظرون فوزًا كبيرًا في الانتخابات التشريعية، لذلك يحاولون التجمع لتشكيل قوة مشتركة".

يذكر أن آخر انتخابات جرت في الجزائر كانت سنة 2012، واحتل فيها الإسلاميون المتحالفون في كتلة "تحالف الجزائر الخضراء" المركز الثالث، بعد الحزبين الحاكمين في البلاد، إذ أن هذه الهزيمة دفعتهم لمقاطعة الانتخابات الرئاسية وعدم تقديم أي مرشح باسمهم للانتخابات الرئاسية التي جرت سنة 2014، وفاز فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة من الدورة الأولى، لكنهم سجلوا موقفهم الرافض لتولي بوتفليقة، ولاية حكم رابعة بالرغم من ظروفه الصحية المتردية.

وتبقى الانتخابات البرلمانية التي ستعرفها الجزائر شهر أبريل القادم، اختبارا جديا للتيار الإسلامي بالبلاد بمختلف مكوناته، سيمتحن مدى قوة شعبيتهم وحضورهم في الساحة السياسية ودفاعهم عن القضايا والمطالب الاجتماعية لملايين الجزائريين الغاضبين من السياسات العامة للحكومة الحالية، فهل سينجحون في كسب الرهان وتحقيق التقدم الذي سجله إخوانهم في المغرب وتونس؟!.