"يساري عنيد.. خبير في السياسية الأوروبية.. مكافح نجح في إنقاذ مستقبله بعد أن سقط في الهاوية في شبابه".. إنه مارتن شولتز، رئيس البرلمان الأوروبي السابق، الذي اختاره حزب الاشتراكيين الديمقراطيين (يسار وسط) الأحد 29يناير 2017، لحمل آماله في انتزاع منصب المستشار من أنجيلا ميركل، زعيمة الحزب الديمقراطي المسيحي (يمين وسط)، في الانتخابات الفيدرالية المقررة سبتمبر/أيلول المقبل.

وبعد أسبوع قلب السياسة في ألمانيا رأسا علي عقب، برز شولتز (61 عاما) كأصعب خصم يواجه ميركل خلال أكثر من عقد، بعد أن قرر رئيس حزب الاشتراكيين الديمقراطيين، سيغار غابرييل، الانسحاب طواعية من تصدر المشهد، تاركا المجال لرئيس البرلمان الأوروبي السابق لأنه "يملك فرص أكبر في الفوز"، علي حد قوله.

ولسنوات طويلة، مارس شولتز السياسة علي المستوي الأوروبي، دون أن يتمرس في السياسة الداخلية بألمانيا، ما يعده خصومه نقطة ضعف واضحة.

لكن الرجل الذي عاني كثيرا ليتسلق سلم السياسة، يعارض هذه الفكرة، ويصر علي أن منصبه كرئيس للبرلمان الأوروبي منحه خبرة التعامل مع ميركل.

وفي تصريحات صحفية قبل أيام، قال شولتز إنه "عمل مع ميركل عن قرب أكثر من أي شخص آخر خارج حزبها (..) هذا مكنني من دراستها، ومعرفتها عن قرب"، حسب ما نقلته صحيفة "بيلد" واسعة الانتشار.

ويري مؤيدو شولتز الذي حالت إصابة في الركبة دون امتهانه كرة القدم في بداية حياته، أنه سيقلب الأمور رأسا علي عقب في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وقادر علي انتقاد سياسات ميركل بقسوة، علي عكس الرئيس السابق للحزب الذي دخل في ائتلاف حاكم موسع مع السيدة القوية ويشغل منصب نائبها، وتقيده مهامه الحكومية كثيرا.

واعتبر مراقبون أن مسار حياة السياسي اليساري، يضفي علي شخصيته كثيرا من الجاذبية، ويمكن البناء عليه لتقديمه في صورة "الخيار البديل" لزعيمة الحزب الديمقراطي المسيحي.

وعانى شولتز انحدارا كبيرا في بداية شبابه، فبعد أن ابتعد مجبرا عن كرة القدم وانتهت أحلامه فيها، ترك المدرسة، وأدمن الكحول، قبل أن يصاب باكتئاب.

لكن شولتز نجح في إعادة نفسه من حافة الهاوية، وأعاد اكتشاف نفسه، وعمل في البداية كبائع كتب، ثم بدأ حياته السياسية كسياسي محلي في مدينة "فوزلن" الصغيرة القريبة من مدينة اخن، غربي البلاد.

وبداية من عام 1980، امتنع تماما عن تعاطي الكحوليات، ونجح في أن يصبح أصغر عمدة في ولاية شمال الراين وستفاليا وهو بعمر 31 عاما.

لكن رحلة صعوده الحقيقة، كانت في أروقة البرلمان الأوروبي، حيث انتخب عضوا به لأول مرة في 1994، ونتيجة لامتلاكه مهارات بناء التحالفات، نجح في الصعود السريع في أروقة المؤسسات الأوروبية في بروكسل وبات عضوا بارزا ومؤثرا، حسب صحيفة "ديلي تليجراف" البريطانية.

وساهم خلاف علني مع رئيس الوزراء الإيطالي السابق سلفيو برلسكوني، في شهرة شولتز، حينما هاجمه وقال إن تولي رجل الأعمال الشهير مناصب سياسية بالتزامن مع امتلاكه شبكات إعلامية ضخمة، يفتح باب "تضارب المصالح".

ورد برلسكوني بأن "شولتز يجب أن يقوم بدور قائد معسكر اعتقال، في فيلم سينمائي"، لكن هذا الخلاف رفع أسهم السياسي الألماني كثيرا.

وفي 2012، أصبح شولتز الذي يتحدث 6 لغات هي الألمانية والانجليزية والاسبانية والايطالية والفرنسية والهولندية، رئيسا للبرلمان الأوروبي، وبات أكثر عناد وشراسة، وخاض معارك سياسية لزيادة مشاركة البرلمان الأوروبي في صنع القرار داخل أروقة الاتحاد.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، خرج الرجل معلنا إنه لن يسعي لإعادة انتخابه في منصبه، وقرر العودة إلي السياسة الألمانية.

وبعد فترة من تضارب الأنباء وحديث في وسائل الإعلام عن حسم الاشتراكيين الديمقراطيين ملف مرشحه للمستشارية واختيار غابرييل، قرر الأخير الانسحاب، وترك الساحة لشولتز الذي تعهد بأن يكون "صوت العمال"، لقيادة الحزب في الانتخابات المقبلة، لإزاحة ميركل من منصبها.

وسرعان ما أجرت وسائل إعلام استطلاعات رأي لقياس شعبية الرجل، حيث وضعه استطلاع لإذاعة "إيه أر دي" علي قدم متساوية مع ميركل بنسبة تأييد 41%، فيما منحه استطلاع آخر نشر الجمعة ونقلت صحيفة "ديلي تليجراف" البريطانية نتائجه، 25% فقط من تأييد الناخبين مقابل، 40% لميركل.

وفي كل الأحوال، فإن هذه الاستطلاعات لا تعكس بحال نتائج الانتخابات المقبلة، فألمانيا تعتمد النظام البرلماني، حيث يشكل الحكومة قائد الحزب الفائز بالأغلبية أو الأكثرية في البوندستاج (البرلمان)، ومن ثم، فإن شولتز لا يواجه تحدي إقناع الناس بشخصه أو سياساته، ولكن إقناعهم بحزبه الذي ابتعد عن قيادة الحكومة منذ عام 2005، بعد خروج المستشار السابق المنبثق عن الاشتراكيين الديمقراطيين جيرهارد شرودر من السلطة.

وحسب آخر استطلاع للرأي نشرت نتائجه "تليجراف"، فإن حزب الاشتراكيين الديمقراطيين يتمتع بتأييد 24% من الناخبين، فيما يؤيد الحزب الديمقراطي المسيحي 36%، ويحل البديل من أجل ألمانيا (يمين متطرف) في المرتبة الثالثة بـ11%.

وللوصول للسلطة يحتاج شولتز إلي تشكيل تحالف سياسي يملك الأغلبية في البرلمان، يتوقع مراقبون أن يكون مع أحزاب اليسار.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بوسطن الأمريكية، والخبير في الشأن الألماني، توماس برجر، أن المستشارة الألمانية تمر بوقت حاسم جراء سياستها تجاه اللاجئين، وتحميلها مسؤولية اعتداء برلين من قبل اليمين المتطرف الذي يكسب أرضا علي حساب يمين الوسط.

وفي حديث لـ"الأناضول"، أضاف برجر أن "اليمين المتطرف حليف غير مقبول ليمين الوسط بقيادة ميركل، وفي حال واصل انتزاع التأييد، سيمهد الأرض لأكثر حكومة يسارية في تاريخ الجمهورية الألمانية، تتكون من تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين وحزبي اليسار والخضر(يسار)".