أخيرا، انفرجت أزمة انتقال السلطة في جمهورية غامبيا، بخروج رئيسها السابق يحيى جامي إلى غينيا الاستوائية، في 21 يناير/كانون الثاني 2017، وتولي الرئيس الجديد أدما بارو مقاليد الحكم، وفقا لنتائج الانتخابات التي أجريت في ديسمبر/كانون الأول المنصرم 2016.

فقد تمكنت موريتانيا وغينيا الاستوائية، من إنهاء هذه الأزمة، بشرط الخروج الآمن للرئيس جامي وأقربائه، وضمان حفظ ممتلكاته، والتعهد بعدم ملاحقته قانونيا، أو طلب تسليمه لأي جهة. وقد عزز هذا المسعى، التحرك العسكري لمجموعة دول المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا(إكواس)، وتهديدها باجتياح البلاد لتمكين الرئيس الجديد من منصبه بالقوة، تحقيقا للإرادة الشعبية، التي عبرت عنها تلك الانتخابات[1].

تُذكّر هذه الأزمة بمحاولة انقلابية قام بها مجموعة من الضباط الغامبيين في يوليو/تموز عام 1981، للإطاحة بالرئيس داودا جاوارا، الذي لجأ، حينها، إلى السنغال طالبا مساعدتها في قمع ذلك الانقلاب. وبالفعل تدخلت السنغال عسكريا، ونجحت في إسقاط الانقلاب، وإعادة الرئيس جاوارا، بعد أن خسرت 160 جنديا وضابطا[2]، كما تذكر  الأزمة، كذلك، مدى التأثير السنغالي في هذا البلد، الذي يبدو كمتلازمة، انطلاقا من مقتضيات كثيرة تشفع لهذا التلازم.

غامبيا، الدولة الأصغر في البر الرئيس بقارة إفريقيا(دون دول الجزر والأرخبيلات الإفريقية)، بمساحة لا تزيد على ٤٠٠٠ ميل مربع، وعرض 22 ميلا، تُعدّ إحدى دول إفريقيا التي صنعها الاستعمار الأوروبي، بتقسيم القارة إلى دول متفاوتة المساحة والثروات، وفقا لتفاهمات ومصالح استعمارية[3]. حيث كانت غامبيا، لقرون طويلة، ضمن دولة واحدة مع السنغال، تحت مسمى"سنغامبيا"، توحدهما روابط الدم والتاريخ والجغرافيا، في تنوع ثقافي وعرقي كبير[4]، ومظاهر طبيعية متشابهة، وقبائل ومستوطنات مشتركة[5]، لكن مؤامرة التقسيم كانت الأقوى، وقد ختم ذلك ترسيم الحدود البحرية بينهما بموجب المعاهدة الموقعة في يونيو/حزيران 1975، التي دخلت حيز التنفيذ في 27 أغسطس/آب[6] 1976.

رغم صغر مساحة غامبيا، ومحدودية تمثيلها الدبلوماسي، إلا أنها كانت لها مساع كثيرة في القضايا الدولية والإفريقية على وجه الخصوص، كما كانت تحدث ضجيجا غير مرغوب لدى بعض خيرانها؛ بسبب الإرث الاستعماري الذي مزق القارة وبذر فيها الكثير من أسباب التوتر. كما كان للتغيّرات، التي أحدثها الرئيس جامي، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، صدى مستفزا لدى دول الغرب، التي لا تزال تنظر إلى القارة السوداء بوصفها إرثا مستحقا لحقبة استعمارية تناوبت عليها بعض دولها خلال خمسة قرون.

كانت أبرز التغيرات التي أحدثها جامي، فك الارتباط مع دول الكومونولث، والتخلي عن اللغة الإنجليزية كلغة رسمية للبلاد، وإعلان الإسلام دين الدولة الرسمي؛ لكونه الديانة التي يعتنقها أكثر من 90% من السكان. لا شك أن هذه التغيرات أعلت من الرصيد الوطني للرئيس جامي، لكنها لم تخلُ من غاية سياسية ترمي إلى ترسيخ أقدامه في الحكم، غير أن نتائجها كانت عكسية عليه، وكمّل ذلك بالانتخابات، التي دفعت به خارج الحكم، ولتدخل البلاد معها حقبة جديدة قد لا تكون مختلفة عن سابقتها.

يشكل موقع غامبيا وامتداد أراضيها داخل أراضي السنغال، هاجسا مزمنا لها، ولعل أحد أقوى تأثيراته، فصل القسم الجنوبي منها عن بقية أجزائها الشمالية، وهو وضع مؤرق، على الدوام، للحكومات المتعاقبة في السنغال منذ الاستقلال عام 1960؛ لذلك كان للتدخل العسكري السنغالي الذي أطاح بانقلاب عام 1982، هدف غير معلن، يتمثل باحتواء غامبيا تدريجيا، بإدخالها في اتحاد فيدرالي، وقد تحققت لها ذلك بعد الإطاحة بالانقلاب، إلا أنه كان شكليا، خاصة مع إخفاق السنغاليين في إقناع الغامبيين بإنشاء جسر يربط مركز السنغال بجنوبه، عبر الأراضي الغامبية، فانهار الاتحاد في سبتمبر/أيلول 1989[7].

الحقيقة أن شكل دولة غامبيا، وموقعها الجغرافي، الذي تطل في جزء منه بساحل قصير على المحيط الأطلسي، وامتداد أرضها داخل العمق السنغالي، شكل تهديدا ثنائي التأثير على الأمن القومي لكل منهما، لكن هذا التهديد يتزايد أثره على غامبيا؛ بسبب ضعفها عسكريا واقتصاديا، مقارنة بالسنغال، وهو ما يدفع الغامبيين، دائما، إلى المراوغة في الدخول العملي في اتحاد فيدرالي معها، بل واستغلال تميز موقع بلادهم في خلق هاجس أمني يشغل السنغاليين، وعادة ما يكون ذلك من خلال دعم متمردي"كازامانس"[8].

بعبارة أخرى، ليس من وصف أدق لأثر موقع غامبيا بالنسبة للسنغال، إلا أن يقال إنها خاصرتها الرخوة[9]، لذلك يسعى السنغال، حثيثا، لأن يكون أكثر وأول من يضطلع بأي أزمة داخل غامبيا، وهذا ما لمس، خلال الأزمة الأخيرة، فقد بادرت السنغال بتنصيب الرئيس الجديد بارو داخل سفارة بلاده في العاصمة السنغالية داكار. وفي اتجاه مماثل، لا ينبغي إغفال دور موريتانيا، التي تسعى إلى إيجاد توازن في النفوذ مع السنغال داخل هذا البلد، للتأثير في ما تتبناه السنغال من مواقف تجاه بعض القضايا الملتهبة بين البلدين، وفي ظل الشبكة الجيوسياسية هذه، تجد غامبيا متنفسا يخفف عنها متلازمة السطوة السنغالية.

سيبقى هذا البلد الصغير مساحة وسكانا، وبأثر موقعه الجغرافي، متلازمة قلق للسنغال، مثلما يمثل السنغال متلازمة سطوة عليه، وستبقى القوة العسكرية آلة انتقال السلطة، حتى وإن جاء الانتقال عبر صناديق الاقتراع.


 


[1] للمزيد ينظر الموقع:

http://www.aljazeera.net/news/international/2017/1/20/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%AC%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D9%84%D9%8A-%D8%B9%D9%86-%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%A7  

[2] جوب، محمد بشير(2016). العلاقات السنغالية الغامبية في ظل الأزمة السياسة الراهنة لغامبيا: قراءة في المسار والآفاق. متاح على الموقع:

http://senarabe.com/2016/12/16/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%BA%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%%D8%B8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3/

[3] سعودي، محمد عبدالغني(1980). قضايا إفريقيا. الكويبت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. سلسلة عالم المعرفة، العدد 34، ص224.

[4]   جوب، مرجع سابق.

[5] سعودي، مرجع سابق، ص225.

[6] للمزيد حول معاهدة ترسيم الحدود البحرية بين غامبيا والسنغال؛ ينظر: Office of the Geographer Bureau of Intelligence and research. (1979). limits in the Seas. Maritime Boundary: The Gambia –Senegal. U.S. department. No. 85, P2.

[7] جوب، مرجع سابق.

[8] للمزيد ينظر الرابط:   

http://elmohit.net/news/21299-2017-01-21-22-06-56.html

[9] للمزيد ينظر الرابط:

 http://elmohit.net/news/21307-2017-01-22-20-12-31.html