لقد سمحت الجريمة التي نفذها الكيان الصهيوني الأسبوع الماضي في النقب، جنوب فلسطين المحتلة، بتدميره قرية "أم الحيران" وإعدامه مواطن فلسطيني من القرية بتسليط الأضواء على عمق القلق الصهيوني من التحول الكبير الذي طرأ على توجهات القبائل البدوية التي تقطن المنطقة الدينية والأيدلوجية.

وقد أجمعت النخب الأمنية الصهيونية التي تناولت هذه الأحداث بالتعليق على أن الجماهير البدوية في منطقة النقب قد قطعت شوطا كبيرا ولافتا في تماهيها مع الخط الأيدلوجي للحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح. صحيح أن الدفع بهذه الاتهامات يأتي أيضا من أجل تسويغ القمع الذي تعرض البدو في المنطقة ويمثل مسوغا لخطوات قادمة، لكن اتفاق المستويات الأمنية المهنية والسياسية على هذا التشخيص يدلل على أن التوجهات الدينية لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني يمثل مصدر قلق حقيقي للصهاينة.

فحسب الجنرال آفي بنياهو، الناطق الأسبق بلسان الجيش الصهيوني، فإن ما قام به البدو  في النقب قد يمثل في الواقع "بداية ثورة بدوية يحركها عاملان أساسيان، وهما: امتلاك السلاح والتعبئة الدينية". وعلى الرغم من أن بنياهو يقر بأن الحكومات الصهيونية المتعاقبة دأبت على "غبن" البدو وتجاهلهم والمس بهم وعدم الوفاء بأبسط متطلبات حياتهم إلا أنه يشير إلى أن التوجهات الإسلامية للبدو هناك تظل العامل الذي يزيد من خطورة السماح باندلاع مواجهة معهم. وبخلاف الوزراء والنواب الذين ينتمون للائتلاف الحاكم، فإن بنياهو يرى أن الكيان الصهيوني مطالب بالعمل على إحباط أية فرصة لاندلاع مواجهة مع البدو، على اعتبار أن السماح باندلاع هذه المواجهات سيزيد من الأعباء الأمنية على كاهل الكيان الصهيوني ويزيد من كلفة الفاتورة التي يمكن أن يدفعها جراء ذلك.

ويرى الجنرال ليئور أكرمان، القائد السابق في جهاز المخابرات الداخلية "الشاباك" أن أحد أسباب التدين لدى البدو تتمثل في أن طلابهم لا ينالون تعليمهم في الكيان الصهيوني بل يتعلم معظمهم في الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية أو في الأردن، ويتأثرون جدا بجماعات اسلامية تعمل هناك، مدعيا أن الحركة الاسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح نجحت في التسلل عميقا في اوساط البدو. ويرى أكرمان أنه على خلفية الاحباط العميق من وضعهم السيء ومن انعدام حلول مناسبة لهم  فقد "نشأ وضع نمت فيه في اوساط هؤلاء البدو على مدى السنين كراهية شديدة تجاه اسرائيل يحركها الحوافز الدينية".

لكن بعد التشخيص، فقد اختلفت النخب الصهيونية في تقييم ما جرى، حيث أن هناك من حمل الحكومة الصهيونية المسؤولية وهناك من اعتبر أن البدو كانوا معنيين بالمواجهة بسبب "توجهاتهم الدينية"

وقد شن المعلق العسكري عاموس هارئيل هجوما كاسحا على كل من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن الداخلي جلعاد أردان بسبب دورهما في دفع الأمور إلى هذا الحد مع البدو، حيث يرى أنهما أصرا على المواجهة بفعل اعتبارات سياسية داخلية.

وقد حذر النائب دوف حنين من أن الأحداث في "أم الحيران" ستفضي إلى "حريق لا يمكن توقع حجمه" بسبب سلوك الأجهزة الأمنية الصهيونية. وقد فند المحلل العسكري شموئيل مئير مزاعم الناطقة بلسان الشرطة التي ادعت أن عناصر "داعش" شاركوا داخل النقب هم من أدى إلى المواجهة.

ولفت مئير للأذهان حقيقة أن أحدا لم يعد يثق بالأمن الصهيووني، متسائلا: "كيف يمكن الوثوق بهم في الوقت الذي ادعى وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان أن الحرائق التي اندلعت مؤخرا كانت بفعل فاعل وتبين عكس ذلك". ويجزم مئير بأن أحدا لا يمكنه أن يصدق الناطقة التي تعمل تحت إمرة أردان.

 وأقر الكاتب الصهيوني يريف أوفنهايمر بأنه لو كان بدو مستوطنون يهود لحرصت الحكومة الصهيونية على إيجاد بدائل لهم كما حدث مؤخرا في مستوطنة عمونا.

لكن الكاتبة اليمينية كرني إلداد، تبرر القمع بزعم أن التجمعات البدوية في النقب تعد "أخطر معاقل الحركة الإسلامية"، مدعية أن ردة الفعل البدوية على عمليات تدمير المنازل يحركها "كراهية ناتجة عن التحريض الذي تقوم به الحركة الإسلامية".

ومن الواضح أن عمليات تدمير المنازل في النقب والمثلث والجليل والضفة تأتي ضمن السياسة التي أعلن عنها نتنياهو مؤخرا وتهدف إلى استغلال تولي دونالد ترامب مقاليد الأمور في الولايات المتحدة من أجل تهويد الأراضي الفلسطينية، عبر تدمير المنازل الفلسطينية وبناء المزيد من المستوطنات لليهود.

لكن هناك ما يزيد من حساسية الصهاينة لتواجد القبائل البدوية الفلسطينية في النقب تحديدا، وهو  أن معدلات التكاثر الطبيعي لدى القبائل البدوية مرتفعة جدا لدرجة أنه ينذر بتمكين هذه القبائل من تجذير سيطرتها على الأراضي التي توارثتها عبر الأجيال.

ومما يزيد الأمور خطورة حقيقة أن هناك أسباب داخلية تدفع نتنياهو للتصعيد ضد البدو ورميهم بمختلف التهم. فنتنياهو يواجه قضايا فساد خطيرة، وهو يخشى أن تضع هذه القضايا حدا لحياته السياسية. لذا هو  معني بالاستثمار في استفزاز الفلسطينيين، وضمنهم بدو النقب، من أجل استرضاء قواعد اليمين ولمحاولة إخماد أية محاولات داخل حزب الليكود لاستبداله، سيما وأن حرب الخلافة قد بدأت بالفعل.

لكن ما قد يشكل مفاجأة غير سارة للصهاينة حقيقة أن الفلسطينيين في النقب لن يتصرفوا وقف سقف التوقعات الصهيونية، وعلى ما يبدو، فنحن نقف على مشارف مرحلة جديدة في العلاقة بين بدو النقب والكيان الصهيوني.