بعد طول انتظار وترقب كبير من طرف المغاربة، أعلنت لجنة مؤسسات الائتمان عن قبول إحداث خمسة أبناك إسلامية أطلق عليها (تشاركية)، تجنبا لتوظيف مصطلح "إسلامية" الذي رأت فيه لوبيات الأبناك التقليدية أن من شأنه أن يسحب البساط من تحت أقدامها، ويقدم زبنائها لقمة صائغة للمعاملات المالية الجديدية، التي تدخل المغرب لأول مرة، وذلك في حدث وصفه المراقبون بـ"التاريخي".

وأوضح البنك المركزي بالمغرب، في "بلاغ"، للجنة المكونة من ممثلين عنه، من بينهم والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، بصفته رئيسا، وممثلين عن الوزارة المكلفة بالمالية، من بينهما مديرة الخزينة والمالية الخارجية، أنها أصدرت رأيا بقبول الطلبات المقدمة من أجل إحداث أبناك "تشاركية" من طرف كل من "القرض العقاري والسياحي" بشراكة مع بنك قطر الدولي الإسلامي و"البنك المغربي للتجارة الخارجية لإفريقيا" بشراكة مع المجموعة السعودية البحرينية "دلة البركة"، والذي يتوقع أن يفتح تحت إسم "بنك البركة".

وتم قبول الطلبات المقدمة من أجل إحداث بنوك تشاركية، من طرف "البنك الشعبي المركزي" مع المجموعة السعودية "غايدنس" (شركة مالية متخصصة في التمويل العقاري) و "القرض الفلاحي للمغرب" بشراكة مع المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص، التابعة للبنك الإسلامي للتنمية و "التجاري وفا بنك" الذي مازال يجري مناقشات بشأن شراكة مستقبلية، والذي سيفتح تحت اسم "بنك الصفاء".

وأشار البلاغ إلى أن اللجنة أصدرت كذلك رأيها بالترخيص للبنك المغربي للتجارة والصناعة ومصرف المغرب والشركة العامة قصد تقديم منتوجات بنكية تشاركية لزبنائها، ويأتي القرار الذي ثمنه الكثير من المراقبين واعتبروا أنه سيفتح فرص كبيرة للسوق المالية المغربية لتعبئة الادخار والرفع من نسبة الاستبناك، وتوفير فرص تمويل متنوعة أمام المستثمرين.

لجنة شرعية

و أصدرت لجنة مؤسسات الائتمان رأيها بقبول إحداث بنوك تشاركية وتقديم منتجات بنكية تشاركية بعد دراسة الملفات وتحليلها لـ11 طلبا، ولاسيما من حيث المساهمين والقيمة المضافة للسوق الوطنية والحكامة والمخاطر، وكذا على ضوء المعلومات التكميلية التي تم طلبها من مختلف المؤسسات التي قدمت طلب اعتماد. وأوضح بلاغ  اللجنة أنه في إطار هذا النشاط، تم تغيير وتتميم الظهير المنظم للمجلس العلمي الأعلى لإحداث لجنة شرعية للمالية التشاركية بداخله، موضحا أن هذه اللجنة هي المؤهلة وحدها لإصدار فتاوى بشأن مطابقة منتوجات المالية التشاركية لأحكام الإسلام.

وخلص البلاغ إلى أن إطلاق منتوجات المالية التشاركية سيتيح استكمال وتعزيز العرض من المنتوجات التي يقدمها القطاع البنكي المغربي وضمان انفتاحه على سبل أخرى للتمويل، كما سيعزز على الخصوص جاذبية، مدينة الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمملكة كقطب مالي رائد على الصعيد الإفريقي.

وجاء الترخيص بإحداث بنوك تشاركية وتقديم منتجات بنكية تشاركية عقب اجتماع اللجنة يوم 29 نوفمبر الماضي، الذي خصص لدراسة ملفات طلبات الاعتماد لمزاولة نشاط البنوك التشاركية في المغرب، وذلك طبقا لمقتضيات المادتين 34 و60 من القانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها.

فرص مهمة

وكان خبراء ومراقبون أكدوا في أكثر من مناسبة على أهمية  البنوك التشاركية (الإسلامية) في اجتذاب السيولة النقدية من خلال جذب المدخرات المحلية المعطلة والتي قدرتها بعض الدراسات بمبلغ 30 مليار درهم، ورفع  نسبة الاستبناك بنسبة تقارب ضعف النسبة الحالية.

ومن خلال اجتذاب أموال المواطنين المغاربة بالخارج المتعاملين مع المؤسسات غير الربوية والمودعة بالمؤسسات المصرفية الغربية، والتي بلغت حسب تصريحات مدير مكتب الصرف سنة 2011  حوالي 38 مليار درهم، في الوقت الذي عرفت فيه تحويلات الجالية المقيمة بالخارج انخفاضا في السنوات الأخيرة، وأكدت دراسة حديثة متخصصة استعداد 84 بالمائة من العينة المشمولة بالدراسة للتعامل مع البنوك الإسلامية حال قيامها بالمغرب.

ويضاف إلى هذا كله، مساهمة البنوك في  جلب استثمارات واستقطاب الأموال التي تبحث عن أسواق آمنة متعاملة للاستثمار وفق الصيغ الشرعية والتي تقدرها بعض الإحصائيات بحوالي 400 مليار دولار، كما ان هذه الخطوة، من شانها أن تشكل فرصة مهمة للمؤسسات المالية الإسلامية بدول الخليج العربي، بالاستثمار في السوق المغربية، وجعلها محطة رئيسية للانفتاح على السوق الافريقية الواعدة، والتي أصبحت تتنافس عليها كبريات الاقتصادات العالمية، والتي يمكن أن يشكل التركيز المغربي الأخير على تقوية العلاقات مع بلدانها وعودته للاتحاد الافريقي فرصة استثمار مغرية.

وهذا ما سينعش السوق المالية المغربية، دائما حسب المراقبين، وينوع سلة تعاملاته، ويفتح الباب أمام تدفق الأموال والسلع والخدمات، مما يجعل من المغرب قطبا ماليا يتميز بإشعاع على المستوى الجهوي والعالمي.

وكان  تقرير"تومسون رويترز" قد توقع في وقت سابق  أن تبلغ قيمة الأصول المصرفية الإسلامية في المغرب 8.6 مليار دولار بحلول عام 2018، على أن تتراوح الأرباح المجمعة لمزودي التمويل الإسلامي بين 67 و112 مليون دولار، وذلك استناداً إلى دراسات استقصائية حول سوق التجزئة للأفراد والشركات.

وأظهر مسح لآراء المستهلكين حول قطاع التجزئة المالية الإسلامية في المغرب، الذي قامت به الوكالة، أن الأصول المصرفية الإسلامية المغربية بالإمكان أن تتجاوز نسبة 5% من إجمالي الموجودات المصرفية بحلول عام 2018، في حين يبين الاستطلاع الخاص بآراء الشركات أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المغرب تعاني من أجل الحصول على تمويل، ويمكن للمؤسسات المالية الإسلامية سد هذه الفجوة.

وأفاد التقرير أنه في الوقت الذي تشير استطلاعات الرأي إلى ارتفاع الطلب على التمويل الإسلامي، فإن المغاربة لا يعرفون سوى القليل جداً من المعلومات عن المنتجات المالية الإسلامية. وأكد التقرير أن للمغرب آفاق واعدة في المجال وأن إنشاء مدينة الدار البيضاء المالية كمركز إقليمي يعد من أكبر الفرص لتوسيع القطاع المالي في المغرب.

وتظهر الدراسة حول سوق الاستهلاك بالمغرب أن نسبة الطلب على المنتجات المالية الإسلامية تصل إلى 98% في سوق غير مستغلة إلى حد كبير وتضم أكثر من 30 مليون مسلم، مشيرا إلى أن المغرب على وشك التحول إلى محور مركزي في توسع الاقتصاد الإسلامي في أفريقيا، مما يتطلب الاستمرار في المساعي المتفانية لغرس القواعد الأساسية المناسبة للتمويل الإسلامي.

يذكر أن البرلمان المغربي، كان قد صادق في نوفمبر2014، على مشروع قانون البنوك التشاركية (الإسلامية)، ودخل حيز التنفيذ، بعد نشره بالجريدة الرسمية، في يناير 2015، غير أن الإجراءات والترتيبات استغرقت وقتًا مهمًا حتى يتم إخراجها في شكلها النهائي، ويتوقع أن تفتح البنوك التشاركية المرخص لها، أبوابها أمام المغاربة في ابتداء من شهر أبريل القادم.