يظهر الواقع السوري جلياً أن البلاد على مستوى صناعة القرار مقسمة إلى أربعة أقسام، ما بين (واشنطن، أنقرة، موسكو، طهران)، و كل عاصمة من تلك العواصم تسعى إلى تدعيم مصالحها، فواشنطن تقوم بدورها التقليدي في دعم وجود دولة كردية لإستمرار زعزعة الأمن التركي عبر دعم القوات الكردية المتمردة على الحدود مع تركيا، و كذلك دعم الجبهة الجنوبية لحماية أمن حليفتها عمان و الكيان الصهيوني في ظل تنامي قوة الحركات الجهادية في جنوب سوريا، و كذلك تحاول موسكو دعم استمرار النظام السوري تماشياً مع طموحات طهران الحليف الإقتصادي البارز لموسكو وكذلك رغبة في استخدام الملف السوري كوسيلة للضغط على أنقرة الغريم التقليدي لموسكو، أما بالنسبة لأنقرة ومثلما صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في وقت سابق، ونقلت عنه وكالة الأنباء الروسية "سبوتنك"، قوله " إن أمن تركيا ليس في غازي عنتاب بل في حلب"، وهو بذلك يؤكد استمرارية دعم حملته العسكرية في الشمال السوري لطرد "داعش" و الأكراد من تلك المنطقة، رغم دعم واشنطن لهم.

توقف المعارك بين المتصارعين في الشمال بعد المشروع التركي الروسي للسلام، والذي توجته اتفاقية وقف إطلاق نار بين النظام وميلشياته من جهة والقوات الثورية من جهة أخرى باستثناء جبهة فتح الشام و تنظيم "داعش"، تمهيداً للدخول في مسلسل مفاوضات طويل يكون بمثابة لقاء مصالحة بين الروس و الأتراك على حساب المشروع الكردي الأمريكي في الشمال، جاء ليفضح الموقف المتخاذل للجبهة الجنوبية التي تشرف عليها غرفة" الموك" بإدارة عسكرية أمريكية أردنية، حيث  صرح الناطق باسم الجبهة الجنوبية عصام الريس قائلاً "لن نلتزم بوقف إطلاق نار لم نطلع على بنوده"، هذا التصريح فجر حالة من السخرية بين النخب السياسية السورية، التي عجزت عن إيجاد مبرر لتوقف الجبهة عن القتال منذ قرابة عامين،  وذهب البعض للقول بأن موقف الجبهة مرهون بالموقف الأمريكي الاردني. لكن ما نود التأكيد عليه هنا هو أن واشنطن تقوم اليوم بطريقة أو بأخرى بالدور الصهيوني في سوريا، من خلال إيجاد قوة تحمي الحدود الصهيونية، وفي نفس الوقت تتصدى لنمو الجماعات الجهادية تحت ذريعة محاربة تنظيم "داعش".. قبل عدة أشهر أعلنت الحكومة الصهيونية عن إنشاء غرفة إرتباط للتواصل مع سكان الجولان وللتنسيق بشأن المئات من الجرحى والمرضى السوريين الذين ينقلون عبر الحدود للعلاج في المستشفيات الصهيونية، والغرض الصهيوني من وراء ذلك هو إيجاد حاضنة شعبية خصبة لاستيعاب حالة تنسيق أمني مستقبلية قد تنشأ بين الجبهة الجنوبية التي هي عبارة عن قوة مقبولة من  واشنطن وعمان لتأدية مهمة أمنية في حدود جغرافية معينة. سيمر الوقت سريعاً حتى يفيق الشعب السوري على بداية تشكل جيش يشبه جيش انطوان لحد في جنوب لبنان.

رغم أن فصائل الجبهة الجنوبية عبارة عن تحالف هش تسيطر عليه غرفة "الموك" في عمان، إلا أنه يضم 30 ألف مقاتل لديها تسليح جيد وانتشار جغرافي واسع إنطلاقاً من درعا وحتى القنيطرة وريف دمشق والقلمون. 

وبحسب دراسة نشرها موقع "الجزيرة نت" فإن تلك الفصائل الــ(49) التي تضمها الجبهة، تعتمد أسلوب التحالف مع بعضها البعض حسب التوافق الجغرافي أو الضغط الميداني أو التقارب الأيديولوجي أو وفق حسابات براغماتية بحتة. وكانت هذه التحالفات عرضة للتعطيل والتفعيل أو التبديل مع تغير المعطيات الميدانية والسياسية أو الخلافات الشخصية.

حرصة " الموك" على عزل الحركات الإسلامية في إدارة المناطق المحررة، كما حيَّدت الجبهة الجنوبية عن الصراع بين تنظيم "داعش" وجبهة فتح الشام في الجنوب، وحاولت تركهم يتقاتلون.

تشترك سوريا مع الأردن في حدود يبلغ طولها 375 كم، وتشترك محافظة درعا مع الأردن بحدود يبلغ طولها نحو 85 كم، يسيطر جيش خالد بن الوليد على مسافة 10 كم، بينما يسيطر الجيش الحر على 75 كم.

وتسيطر قوات النظام السوري على مسافة 100 كم تقريبًا داخل الحدود الإدارية لمحافظة السويداء، لتعود السيطرة بعدها إلى فصائل الجيش الحر، التي تسيطر على ما تبقى من الشريط الحدودي البالغ طوله 190 كم، والموزع بين الحدود الإدارية لمحافظة ريف دمشق والحدود الإدارية لمحافظة حمص.

 عززت الفصائل العاملة في المنطقة من تواجدها من خلال نقاط عسكرية ودوريات حدودية على طول الحدود مع الأردن، هذا الأمر أثار علامات الاستفهام حول طبيعة المهام التي تقوم بها الفصائل في تلك المنطقة وطبيعة تلك العلاقة بين الطرفين. وقد أشيع أن الاردن اشترطت لتمويل الجبهة الجنوبية القيام بدورها تجاه حماية الحدود الاردنية من تسلل عناصر من تنظيم "داعش"، لا سيما عقب هجوم مخيم الركبان الذي استهدف قوة موالية للأردن في أكتوبر 2016.

وأشارت مصادر سورية أن قيادات محسوبة على الجبهة الإسلامية انشغلت في عمليات التهريب للتكسب الشخصي، بينما أخرى انشغلت في حماية حدود الأردن بدلاً من التصدي لهجمات النظام السوري.

وفي تقرير نشر سابقاً في موقع ديبكا الاستخباري الصهيوني، أكد أن 273 ضابطاً أمريكياً يعملون في غرفة "الموك"، وذكر أنها صممت لتوجيه أي عمل عسكري أمريكي محتمل في سوريا ومواجهة أي تهديد عسكري للأردن أو الكيان الصهيوني.

رغم إشارة الكثيرة من المحللين إلى أن الجبهة الجنوبية بالنسبة للنظام هي الجبهة الرخوة، وسيتم السيطرة عليها بسهولة من قبل الفصائل الثورية المنتشرة في بعض مناطقها مثل درعا، في حال أظهرت رغبة في التوجه نحو دمشق، إلا أن تلك الفصائل التي تعتمد بشكل مطلق على الدعم الأمريكي الأردني، لن تتقدم خطوة واحدة باتجاه دمشق في ظل لعبة أمريكية يتم من خلالها تقزيم قوى الثورة التي تصفها بالمعتدلة لصالح القوى الكردية التي تعمل في الشمال، لأن أي انتصارات مركزية للثوار في الجنوب من شأنه أن يفشل المخططات الأمريكية في الشمال في حال فعلاً تم تهديد استقرار النظام في دمشق.