فقد النظام الإيراني ليلة الإثنين التاسع من يناير الجاري شخصية سياسية ودينية بارزة كان لها حضور كبير في الشأن الإيران، وتوصف برجل النظام الأول في حكم إيران طيلة أربعين عاماً، ألا وهو الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، إثر إصابته بأزمة قلبية عن عمر يناهز 82 عاماً.

وعلى الرغم من وصف رفسنجاني بأنه قائد التيار الإصلاحي في إيران وأحد أبرز رموزه، فإن تاريخ الرجل كان حافلاً بالتأثير في صناعة القرار الإيراني، وعلاقات الدولة مع الشرق والغرب، ودورها في تصدير الثورة والميليشيات الإرهابية إلى دول عربية، بل كان أحد الدعائم الرئيسية للنظام الفاشي الحاكم في إيران منذ وصول الخميني إلى السلطة وحتى رحيله، وعمل طيلة مدة بقائه في مناصبه الحكومية على تصدير الفكر الإيراني وتطبيق نظام ولاية الفقيه والدعوة إليه.

رفسنجاني تاجر الفستق الشهير وتلميذ الخميني، ارتبط اسمه بتدبير صفقات سرية لمبادلة الرهائن الأمريكيين في لبنان في الثمانينات من القرن الماضي في ما عرف باسم فضيحة "إيران غيت"، وتقول الروايات إن لديه تبادلات تجارية كبيرة مع الغرب.

وفي المدة الحالية كان يعد رفسنجاني اليد الطولى للرئيس الحالي حسن روحاني، الذي يُعد نفسه للترشح لفترة رئاسية ثانية في مايو القادم، وكان أحد أهم قنوات التأثير على قرارات علي خامنئي المرشد الأعلى لإيران، ويصف المحللون غياب رفسنجاني في نهاية الثنائية التقليدية في السياسية الإيرانية، والتي يقصد بها: ثنائية رفسنجاني - خامنئي، ورفسنجاني - أحمدي نجاد، ورفسنجاني - محمد يزدي.

وعندما نطلق عليه رجل النظام الأول في إيران، فإن ذلك يأتي من خلال تبوؤ رفسنجاني جميع المناصب القيادية في إيران خلال مدته في العمل الحكومي التي تصل إلى 65 عاماً، فقد ترأس البرلمان بين عامي 1980و 1989، كما عينه الخميني قائماً بأعمال قائد القوات المسلحة، وكان له اليد الطولى في إقناع النظام الإيراني بالقبول بقرار مجلس الأمن الدولي الذي أنهى ثمانية أعوام من الحرب في العراق، وكان وزيراً للداخلية في عام 1979 واستمر حتى عام 1980، وأول رئيس لمجلس الشورى منذ عام 1980 وحتى عام 1989، كما كان رابع رئيس للجمهورية الإيرانية لدورتين متتاليتين من عام 1989 وحتى عام 1997، كما تولى رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام بعد خروجه من الرئاسة في عام 1989م واستمر في هذا المنصب حتى وفاته، بالإضافة إلى أنه كان ثاني رئيس لمجلس خبراء القيادة، وعدد من المناصب الأخرى التي جمع من خلالها ثروة هائلة تقدَّر بالمليارات على حساب قوت الشعب الإيراني المغلوب على أمره.

لعب رفسنجاني طيلة بقائه في السلطة أدواراً قمعية ضد أهل السنة في إيران، وساهم في الإشراف على تدمير منازل وأهل السنة بالأحواز وقتل علمائهم، ودعم قمع تظاهرات طلابية للجامعات في عام 2003 ضد ولاية الفقيه واتهمهم بالعمالة لأمريكا، وقال إنه سيقطع يد من يحاول الخروج على ولاية الفقيه.

كان رفسنجاني من أوائل من رفعوا شعار طريق القدس يبدأ من كربلاء، وطرد أهل السنة من جزيرة العرب، وتورط بشكل مباشر في إرسال مئات آلاف الإيرانيين من الأطفال والمراهقين في حرب الألغام مع العراق.

ويتهم رفسنجاني بارتكاب جرائم كبيرة، من ضمنها دوره الكبير في مجزرة إعدام 30 ألف سجين سياسي في عام 1988 بأمر من الجلاد الأكبر مرشد الثورة الإيرانية الخميني، وتقول الروايات إن رفسنجاني كان من ينقل أوامر جلاد جماران إلى لجنة الموت، ولعب الرجل دوراً رئيسياً في  الاغتيالات التي نفذها النظام الإيراني خارج الحدود الإيرانية، منها اغتيال سكرتير أول الحزب الديمقراطي الكردستاني ومرافقيه في عام 1992 في مطعم في برلين الألمانية، وتسببت بأزمة بين إيران وألمانيا وتم إدانة كلاً من خامنئي ورفسنجاني الذي كان وزيراً للاستخبارات آنذاك، بالإضافة إلى اغتيال عدد من المعارضين خارج الحدود عبر وزارة الاستخبارات التي كان يقودها رفسنجاني.

ومن أبرز تصريحاته المسيئة قوله: "إن المجتمع الإيراني يتصرف بأحسن مما كان يفعل المجتمع الإسلامي بعهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ فعلى حين شكا الرسول عليه السلام من تخاذل بعض المسلمين؛ قدر الخميني لأتباعه حماستهم؛ وفي حين أعرض بعض أتباع الرسول عليه السلام عن نصائحه اتخذ الإيرانيون من توجيهات الخميني نهجاً لهم ".

وبشكل عام فإن رفسنجاني كان من السياسيين الإيرانيين الذين جمعوا ما بين سلطة الدين والمال والثروة، وكان يمارس التقية بدرجة واضحة في تعاملاته مع الخارج والداخل، من خلال حديثه عن ضرورة التقارب مع الدول العربية، وفتح العلاقات مع الدول الأخرى، لكنه في باطن الأمر ينفذ سياسة تصدير الثورة الإيرانية ويلتزم حرفياً بمبادئ ولاية الفقيه.

وقد وصفته وكالة اسوشيتدبرس بأنه "رجل سياسي محتال، وكان يدمج ما بين الفكاهة والخداع والشيطنة في السياسة والعمل".