بعيداً عن أي اعتبارات إنسانية، وبحثاً عن مصالحها الواقعة تحت تأثير الهاجس الأمني، اتجهت أوروبا إلى البحث عن حلول عملية لأزمة اللاجئين التي لطالما أرقت ساستها، فأبدت خلال عام 2015 نوعاً من التعاون مع تركيا التي تشكل خط الدفاع الأول لحدود أوروبا المباشرة مع قارة آسيا، وذلك بهدف منع الهجرات غير الشرعية التي خلفتها أحداث الربيع العربي في سوريا ومناطق مختلفة من الشرق الأوسط.

نحو ثلاثة ملايين لاجئ استقبلتهم تركيا خلال سنوات الثورة السورية، وأبدت استعدادها دوما لتكون حضناً أمناً أمام الفارين من رائحة الموت التي تلاحقهم في كل مكان، ولم تحاول الحكومة التركية إغلاق حدودها أمام اللاجئين السوريين وكذلك العراقيين اللذين يتدفقون إلى حدودها على شكل أفراد أو جماعات طلباً للحماية، ولم تشهد موجات اللجوء المستمرة حتى وقتنا هذا أي إجراءات أو تحركات تركية سلبية تجاه اللاجئين العرب، ولم تتم إعادة أي لاجئ سوري قصراً إلى الأراضي السورية، حيث تطبق تركيا نظام الحماية المؤقتة على جميع اللاجئين.

وبموجب نظام الحماية المؤقتة يضمن كل اللاجئين مكاناً لهم في أحد المخيمات المتواجدة حالياً في تركيا حيث يحصلون على المأوى والغذاء والعلاج بشكل مجاني.

لم تحاول السلطات التركية وضع أي عراقيل أمام اللاجئين القادمين من سوريا على وجه التحديد، وقد سعت إلى تسهيل إجراءات دخولهم إلى أراضيها من خلال إلغاء تأشيرة الدخول، كما أن إجراءات تسجيل اللاجئين داخل الأراضي التركية تتم بكل سهوله لأن كافة المحافظات التركية الـ "81" تستقبلهم وتقوم بتسجيلهم للتخفيف من معاناتهم.

ويحصل اللاجئ السوري على كافة حقوقه التعليمية، كونه يعيش وفقاً لقانون الحماية المؤقتة الذي أقرته الحكومة في أكتوبر 2014، والذي بموجبه يحصل على التعليم المدرسي بكافة مراحله وبشكل مجاني، كما يحق للاجئ السوري أن يستفيد من المنح الدراسية الجامعية التي تقدمها الجامعات التركية سنوياً.

الأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة للرعاية الصحية، حيث يحصل اللاجئ السوري على كافة حقوقه الطبية وبشكل مجاني، فالمشافي الحكومية التركية مفتوحه أمامه، هذا فضلاً عن تلك الخطوات التي بذلتها وزارة الأسرة والشؤون الاجتماعية من أجل توفير الخدمات النفسية والاجتماعية، ووفقاً لتصريحات الرئيس التركي في سبتمبر الماضي، أن بلاده أنفقت على اللاجئين 12 مليار دولار أمريكي، فيما يصل هذا المبلغ إلى 25 مليار دولار إذا ما أضيفت إليه ما أنفقته منظمات المجتمع المدني التركية.

أمام هذا العبء الكبير المُلقى على عاتق تركيا جراء دورها الانساني المهم تجاه اللاجئين السوريين والعراقيين، وقف الغرب متفرجاً وحاول بشتى السُبل منع موجات اللجوء القادمة إلية عبر المتوسط. ولما عجز عن منع اللاجئين القادمين اليه بشكل غير شرعي من تركيا عبر الجزر اليونانية، وجدت الدول الأوربية ضالتها في تلك الاتفاقية التي وقعتها مع الحكومة التركية خلال قمة بروكسل في نوفمبر من العام الماضي، حيث حصلت تركيا بموجبها على ثلاثة مليارات دولار كمساعدات أوروبية إجمالية للاجئين على أراضيها.

كما فتح الاتفاق ملف انضمام أنقره إلى الاتحاد الأوروبي من جديد، وتعهدت القوى الاوروبية لتركيا بتسريع عملية إلغاء التأشيرة للمواطنين الأتراك تمهيداً لدخولهم إلى دول الاتحاد الأوروبي، خلال الفترة المقبلة، على أن يتم إلغائها بشكل كامل نهاية يونيو 2016 كأقصى حد، وهو أمر لم يتحقق حتى وقتنا هذا.

مقابل ذلك تعهد الاتحاد الاوروبي باستقبال 72 الف لاجئ فقط خلال هذا العام، مع إمكانية إعادة جميع اللاجئين من الأراضي اليونانية إلى تركيا مقابل استقبال لاجئين شرعيين جدد من تركيا.

وبالموازاة مع تلك الخطوة التي اعتبرها البعض مجحفة بحق اللاجئين، والتي على إثرها تعرضت الحكومة التركية إلى انتقادات البعض اللذين اتهموها بالتخلي عن حقوق اللاجئين الانسانية، حاولت أنقرة التخفيف من وطأة الموقف واتجهت إلى وضع تشريعات جديدة من شأنها فتح مجالات العمل بشكل أفضل أمام اللاجئين السوريين، في محاولة منها للحيلولة دون دفعهم إلى الهجرة مرة أخرى إلى اليونان ومن ثم إلى أوروبا، فأصبحت المؤسسات والمصانع التركية مفتوحة أمام العاملين السوريين، وقد حددت التشريعات التركية نسبة العاملين السوريين داخل مؤسساتها المختلفة بـما لا يتجاوز حد الـ10% من مجموع العاملين في المؤسسة الواحدة، كما منحتهم حقوق وظيفية مختلفة وقد حصل أكثر من خمسة آلاف سوري على تصاريح عمل مع نهاية العام الماضي.

توقعات نجاح الاتفاق التركي الأوروبي كانت كبيرة من قبل البعض اللذين أبدوا نوعاً من التفاؤل بدخول الأراضي الأوروبية لتحسين مستواهم المعيشي، وهو ما كان سيوفر فرص جديدة أمام اللاجئين السوريين للعمل في المؤسسات والشركات التركية، مما يحد من تدفقهم إلى الأراضي الأوروبية، لكن هذه الأخيرة سرعان ما تخلت وتنكرت لتعهداتها.

رغم محاولات تركيا ايجاد بيئة مناسبة من شأنها إنجاح اتفاقها مع الدول الأوربية، ورغم إقرار هذا الاتفاق أوروبياً ودخوله حيز التنفيذ مطلع العام الجاري، إلا أن النظرة العنصرية الأوروبية تجاه تركيا وتعامل أوروبا بمنظور أمني بحث مع أزمة اللاجئين، ظل طاغياً على المقاربة الأوربية، وهو ما بات يُهدد استمرارية هذا الاتفاق المُعلق فعلياً وكذلك مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي.

فالأخير بدأ يختلق المزيد من الأعذار لاسيما المتعلقة بالحريات وحقوق الانسان، مستغلاً حالة الارتباك السياسي التي حلت بالحكومة التركية التي مرت بظروف صعبة بسبب الانقلاب الفاشل الذي تم إحباطه بنجاح غير مسبوق، وهو ما دفعها الى التعامل بشكل صارم مع كل المتهمين في تلك المحاولة الانقلابية.

أمام هذه التطورات التي فرضت نفسها على المشهد التركي، استغلت القوى الأوروبية هذا الأمر واتجه برلمانها إلى اتخاذ خطوة تصعيدية حينما صوت ثمانية عشر دولة أوروبية على تجميد مفاوضات انضمام تركيا مؤقتاً، معللاً ذلك بالإجراءات الأمنية وحملة الاعتقالات التي اتخذتها الحكومة التركية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، وهو ما فرض حالة من التوتر على العلاقات التركية الأوروبية، خاصةً وأن التطورات الأخيرة على صعيد علاقات التعاون بين أنقره وموسكوا أثارت مخاوف الغرب الأمريكي والاوروبي، الذي بات يعتبرها نوعاً من رد الفعل التركي على تهرب دول الاتحاد الاوروبي من التزاماتها تجاه أنقره.

أمام هذا التعنت الاوروبي هدد الرئيس التركي بفتح الحدود الأوروبية مع بلاده أمام اللاجئين، وقد عاد أردوغان بالذاكرة قليلاً حينما ذَكر قادة أوروبا بصراخهم أثناء وجود 50 ألف لاجئ على حدود تركيا وبلغاريا منذ أشهر قليلة.

في ظل هذا التصعيد بين الجانبين، يبدو أن الاطراف الأوروبية قد ذهبت وبشكل مؤقت لتوقيع اتفاقها الهش مع تركيا من أجل تخفيف الضغط أمام تدفقات اللاجئين، خاصةً وأن الاتفاق جاء في وقت حرج بالنسبة للقارة الأوروبية التي أبدت تخوفها الشديد من تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى أراضيها، كما أن تراجعها عن تطبيق بنود الاتفاق تزامن مع التحسن النسبي الذي شهدته القارة الأوروبية، لأن تركيا خففت الكثير من حدة الأزمة الانسانية، فالتحلل الأوروبي من الالتزامات يأتي بعد نجاح الاتحاد الاوروبي في التقاط الانفاس، خصوصاً وأن تركيا تحملت الجزء الأكبر من أزمة اللاجئين المتجددة.

لكن على أي حال نجحت تركيا في فرض نفسها على المعادلة الأوروبية باعتبارها شريكاً رسمياً لأوروبا الموحدة في واحدة من أهم القضايا الملحة على جدول الأعمال السياسي والإعلامي في القارة العجوز، فعلاقاتها مع الغرب الامريكي الأوروبي قد دخلت في معادلة الزواج بالإكراه أو الطلاق الأبدي، فأنقره بدأت تدرك بمرور الوقت أن عضويتها في الاتحاد الأوروبي شبه مستحيلة، لأن القوى الأوروبية تعمل على إعطاءها "وضعا خاصا" نظراً لقوتها وأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، مقابل دورها العازل أمام زحف اللاجئين إلى البلدان الأوروبية.

لذلك بات مطلوباً من تركيا إعادة النظر في الملفات التي تحكم علاقاتها مع القوى الأوروبية وخصوصا ملف اللاجئين السوريين، وذلك وفقاً لأولويات تركيا بعيداً عن أولويات الغرب الذي يفتقد إلى الرؤية الانسانية التي يحتاجها ملف اللاجئين، وهو ما أدركته تركيا خلال ردها على خطوة البرلمان الاوروبي، ولعل خير ما تفعله تركيا في هذا الصدد هو البحث عن فك الارتباط بين ملف اللاجئين الإنساني وملف عضويتها في الاتحاد الأوروبي وذلك من أجل تفويت الفرصة على منتقديها اللذين لا يتوقفون عن اتهامها باستثمار واستغلال قضية اللاجئين لتحقيق مصالحها على المستوى الأوروبي.

ملف تركيا والصعود المأمول