ينخرط حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا في مواجهات داخلية متعددة حيث أن جماعة أو تنظيم غولن الذي نفذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوم 15 تموز 2016، هي من تتصدر الأولوية على أجندة الجهات التي يواجهها الحزب، كذلك الحال فإن الحزب منخرط في مواجهة دامية مع حزب العمال الكردستاني ومع من يراه ممثلا سياسيا عنه وهو حزب الشعوب الديمقراطية، ( وهنا تجدر الإشارة إلى أن حوالي 87% من الشعب التركي يرون أن حزب الشعوب الديمقراطية هو امتداد سياسي لحزب العمال الكردستاني) أيضا ينخرط الحزب وإن بدرجة أقل مع حزب الشعب الجمهوري الذي يقود عدة حملات لتشويه انجازات حزب العدالة والتنمية ولعرقلة مخططاته المستقبلية وخاصة المتعلقة بالاجراءات الدستورية

جماعة غولن

أما فيما يتعلق بجماعة غولن التي تم تصنيفها تنظيما ارهابيا في تركيا حتى قبل تنفيد المحاولة الانقلابية فما زالت الملاحقات التي تقوم بها أجهزة الدولة لها مستمرة وقد بلغ عدد المعتقلين من الجماعة  حوالي 34 ألف و260 شخصا، فيما بلغ عدد المشتبهين الذين أقيمت اجراءات الاشتباه بحقهم حوالي 78 ألف . وهذا  يشير إلى  إصرار الدولة على ملاحقة الجماعة وعدم وجود تسامح مع الجماعة بشكل مطلق.

وبشكل تفصيلي حول هذه الأرقام  فإن حوالي 5000 شخص هم من الجهاز القضائي بين قضاة وموظفين اداريين و حوالي 163 جنرال و 6 آلاف عسكري  و7 آلاف في جهاز الأمنيات " وزارة الداخلية" بينهم  19 والي و58 قائم مقام و حوالي 18 ألاف موظف دولة مدني. كما أن حوالي 800 رئيس بلدية صغرى يتبعون لحزب العدالة تعرضوا للاستجواب حول العلاقة مع جماعة غولن. كما أن الدولة تكتشف يوميا أعضاء جدد في جماعة غولن بعد أن تمكنت الاستخبارات التركية  من فك شيفرة عدد من البرامج والتطبيقات المشفرة منها تطبيق بايلوك التي كان يتواصل من خلالها أعضاء التنظيم. وقد  اكتشف تنظيم غولن وفقا للصحفية التركية ناغيهان التشي أن جهاز الاستخبارات الوطنية تمكن من فك الشفرات الأمنية، فبدؤوا بعد ذلك في التواصل عبر  تطبيق آخر قبل الخامس عشر من يوليو. وبناء على ذلك لا يعد بايلوك مصدرا مهما للحصول على البيانات المتعلقة بمحاولة الانقلاب فحسب، بل إنه يفك شفرة أعضاء التنظيم والتسلسل الهرمي فيه. وقبل عدة أيام فقط  أصدرت النيابة أوامر باعتقال 103 أكاديميين بتهمة "الانتماء إلى جماعة إرهابية مسلحة" في إطار تحقيق يركز على جامعة يلدز التقنية في المدينة وهي من بين أرفع المؤسسات التعليمية التي تستهدفها الحملة حتى الآن.

حزب العمال الكردستاني

ما زالت المدن التركية تتعرض لمحاولات تنفيذ هجمات تفجيرية من عناصر حزب العمال الكردستاني لكن الاجراءات الأمنية للدولة  باتت بشكل واضح أكثر قوة وإحكاما من ذي قبل حيث تم احباط العديد من هذه المحاولات كان آخرها اكتشاف شخصين أرادا القيام بتفجير نفسيهما في العاصمة أنقرة إضافة إلى اكتشاف مخزن كبير للسلاح في إحدى المغارات في ولاية هكاري فضلا عن إعلان الجيش التركي عن قتله لحوالي 380 من عناصر حزب العمال الكردستاني منذ نهاية شهر أغسطس 2016 إلى 6 أكتوبر 2016.

 وقد أتت التطورات الإيجابية في الملف الأمني بعد اعفاء وزير الداخلية السابق افكان الا من منصبه بداعي التقصير في تطهير الوزارة من الجماعة وبسبب التفجيرات التي ضربت البلاد في عهده وتعيين سليمان صويلو بديلا عنه كإضافة إلى زيادة حس التيقظ داخل الأجهزة الأمنية المتعددة خاصة مع حالة التطهير التي شهدتها العديد من الاجهزة وفي ظل حالة الطوارئ التي جرى تمديدها بعد موافقة البرلمان  لثلاث أشهر أخرى تبدأ من 19 أكتوبر الجاري  .

وقد توترت الأجواء مع قيام أعضاء من حزب العمال باغتيال دريان آق ترت الذي يقود فرع حزب العدالة والتنمية في ضاحية دجلة في مدينة ديار بكر قتل وازداد التوتر مع حزب الشعوب بعد أن أصدرت الدولة مؤخرا قرارات بحبس 9 نواب من “الشعوب الديمقراطي” بينهم الرئيسان المشاركان للحزب، و ذلك بسبب دعوة اللجنة التنفيذية المركزية لحزب الشعوب الديمقراطي ورئيسه المشارك “صلاح الدين دميرطاش” قبل عدة أشهر  أنصار منظمة “بي كا كا/ب ي د” إلى النزول للشوارع الذين مارسوا بدورهم أعمال عنف في 35 ولاية بحجة دعم مدينة عين العرب “كوباني” (في شمال سوريا)، ما أسفر عن استشهاد شرطيين وإصابة 139 منهم فضلا عن مقتل 31 شخصا وإصابة 221 آخرين. وفي أحدث استطلاع للرأي نظمه مركز اورك وجد أن 82% يرون قرار اعتقال النواب الأكراد قرارا صائبا.

حزب الشعب الجمهوري

وامتدادا للمشهد الداخلي فقد عادت الأمور للتوتر بين حزبي العدالة والشعب الجمهوري بعد الحالة الوطنية والوحدوية التي تلت  محاولة الانقلاب وأطلق عليها اسم روح يني كابي وهو الميدان الذي ألقى فيه قادة الأحزاب الرئيسية كلماتهم في هجاء المحاولة الانقلابية.حيث وجه رئيس الوزراء بن علي يلدرم انتقادات قاسية لحزب الشعب الجمهوري الذي لم يتوقف عند رفض التجاوب مع مطالب حزب العدالة والتنمية حول الدستور الجديد بل بدأ حملة شعواء بمجرد أن تواردت  إشارات قوية على قبول حزب الحركة القومية للتوافق مع حزب العدالة التنمية وهو ما سيعجل بعرض تعديل الدستور وخاصة ملف النظام الرئاسي في تركيا على البرلمان.

ولم يترك كمال كليشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري مناسبة دون التحذير من النظام الرئاسي، فقد قال في أكثر من مرة إن النظام الرئاسي سيوفر حالة من عدم القانون ونظامًا يفتقر للعدالة، كما أن حدة نقد كليشدار أوغلو للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ازدادت بقوة بعد إعلان حزب الحركة القومية القبول بالتباحث بخصوص النظام الرئاسي، وبدأ كليجدار أوغلو في نقد كل شيء وقد ردد عبارات حادة مثل "لن نسلم البلد للمجانين" و"هؤلاء لا يعرفون التاريخ" و"السيادة ليست في القصر، السيادة للشعب" و"الذين يحكمون تركيا لا يريدونها جزءًا من العالم المتحضر بل يريدونها جزءًا من الشرق الأوسط" و"لا يريدون إلا نظامًا رئاسيًا لن يحدث هذا يا صديقي" و"لن نجعلك رئيسًا". وفي هذا السياق فإن استطلاعا للرأي العام في تركيا أظهر أن 75% من المستطلعة أراؤهم يثقون بالرئيس رجب طيب أردوغان. فيما أبدى 56% موافقتهم حول تطبيق النظام الرئاسي. 

  ملف تركيا والصعود المأمول