كان آخر ما شهدته العلاقات التركية الصهيونية هو تطبيق تبادل السفراء بعد انقطاع العلاقات منذ عام 2010 الذي شهد اعتداء الجيش العدو الصهيوني على سفينة ما في مرمرة التي كانت متجهة لفك الحصار البحري على قطاع غزة، وفي منتصف نوفمبر أعلن العدو الصهيوني اسم سفيره في أنقرة ايتان نائيه الذي تدرج في مناصب دبلوماسية متعددة كان من أهمها  منصب القنصل الاسرائيلي العام في أنقرة. ويشير اختيار نائيه إلى رغبة العدو الصهيوني بتحسين العلاقات مع تركيا وإعادة الدفء إليها أما تركيا فقد أعلنت هي الأخرى اسم سفيرها إلى تل أبيب وهو كمال أوكيم الذي كان يعمل مستشارا للشؤون الخارجية في رئاسة الوزراء التركية ومسؤولا عن شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية التركية قبل ذلك.

وقد جاء تبادل السفراء بعد اتفاق الطرفين على تطبيع العلاقات مجددا بينهما في يونيو/حزيران الماضي، بعد اعتذار العدو الصهيوني عن الاعتداء على سفينة ما في مرمرة التركية، وتقديمها تعويضات مالية لأسر الضحايا قدرت بعشرين مليون دولار والسماح لسفن تركية بإيصال مساعدات عينية إلى قطاع غزة كتخفيف للحصار فقط. وليس كإلغاء كامل وهو الشرط الذي أخذ وقتا طويلا في التفاوض ولاقى تعنتا صهيونيا كبيرا.وتجدر الإشارة إلى أن عددا من المؤسسات التركية وخاصة مؤسسة الاغاثة الانسانية التي نظمت رحلة سفينة ما في مرمرة ترفض الاتفاق ولا تعترف به.

وقد سببت عدة عوامل في تسريع توجه الطرفين إلى الاتفاق ومن هذه العوامل التغيرات والتطورات المتسارعة في المنطقة وخاصة في سوريا التي تعتبرها كل من تركيا والعدو الصهيوني ساحة تهديد حيث تعتبر تركيا ذلك خطرا ولكنها تعطي الأولوية للتهديد المتمثل بحزب العمال الكردستاني وأجنحته في سوريا التي تتلقى دعما أمريكيا وتعمل على انشاء كيان كردي يعمل على تهديد الداخل التركي وعزل تركيا عن المشرق العربي  كما يتزامن هذا الأمر مع تغير ملحوظ في السياسة الخارجية التركية من أجل زيادة الأصدقاء وتقليل الأعداء حيث تم قبل أسابيع قليلة من الاتفاق مع عدو الصهيوني تحسين العلاقات مع دولة الإمارات وتم تعيين سفراء في البلدين، كما تلا ذلك تحسين للعلاقات مع روسيا بعد تأزمها في أعقاب إسقاط طائرة سوخوي روسية في نوفمبر 2015.

ولعل الدافع الاقتصادي كان حاضرا أيضا كعامل مساعد على تحقيق الاتفاق حيث أن حقول الغاز المكتشفة حديثا في البحر المتوسط من قبل الكيان والتي تقدر الاحتياطيات فيها بمئات مليارات الدولارات لا يمكن أن تستطيع تشغيلها دون تأمين ممر العبور لمنتجاتها إلى أوروبا وتعد تركيا هي الممر الأفضل والأسهل حيث أن البدائل عن تركيا سواء اليونان أو قبرص تعد بدائل مكلفة وبالتالي فإن موافقة تركيا تتطلب حصولها على أسعار مغرية كما  ستستفيد من كونها ممرا للطاقة إلى أوروبا وسيكون هذا عنصرا جديدا في معادلة تنويع مصادر الطاقة التي تعتمد فيها تركيا على روسيا وإيران بشكل كبير جدا.

بالرغم من توقيع الاتفاق لتطبيع العلاقات بين الطرفين وتبادل السفراء وامكانية حدوث تقدم في مجال الطاقة والسياحة فإن الثقة  بينهما ما زالت ضعيفة حيث أن الصهاينة منذ حادثة مؤتمر دافوس التي سبقت حادثة سفينة ما في مرمرة يرون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والفريق المحيط به يحمل أفكارا معادية" لإسرائيل" وهو غير قابل للتخلي عن هذه الأفكار، كما أن الشعب التركي معروف بحبه لفلسطين وللقدس وللمسجد الأقصى وإن تقبلت قيادته بسبب ظروف ضاغطة إعادة تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني فإن هذه العلاقات لن تلبث أن تنقطع عند أي محاولة صهيونية للاعتداء على الفلسطينيين أو على المقدسات وخاصة المسجد الأقصى. ويؤيد هذا استبيان حول توجهات الرأي العام التركي أجرته جامعة قدير خاص التركية في نهاية عام 2015 حيث تصدر الكيان الصهيوني قائمة الدول الأكثر خطرا على تركيا، وكان العدو الصهيوني قد حل في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة طبقا لنفس الاستبيان في عام 2013. ولعل  تصريح الوزير السابق جدعون عزرا الذي عقب على مقابلة أردوغان الأخيرة مع القناة الاسرائيلية الثانية  قائلا "بأن من يعتقد أنه ستكون هناك علاقات جيدة مع تركيا فهو واهم" يكفي للدلالة على مستوى الثقة بين الطرفين.

ومع إعلان دولة الكيان منع الأذان في مدينة القدس رفضت تركيا هذ القرار حيث أن تركيا وهي من أكثر الدول التي تعتني بالأذان والمؤذنين قال رئيس وقف الشؤون الدينية فيها البروفسور "محمد غورماز"، معلقا على مشروع قانون منع رفع الأذان بمكبرات الصوت في مساجد القدس وضواحيها، إن حظر الأذان معناه إنكار وجود الإسلام والمسلمين في القدس على مر التاريخ، وهذا لا يمكن قبوله أبدا. فيما جاء رد آخر من مسؤول رفيع في الدولة وهو نعمان كورتولموش نائب رئيس الوزراء الذي أكد أن منع الأذان في القدس أمر مرفوض كما أن شهر سبتمبر الماضي شهد اعتقال أحد المواطنين الأتراك في مطار بن جوريون أثناء توجهه لزيارة المسجد الأقصى وذلك بسبب تغريدة له على موقع توتير نعت بها الرئيس الصهيوني الهالك بيريز بالكلب وقال أنه سيسجد سجدة شكر في الأقصى بسبب وفاة بيريز.

ويحاول العدو الصهيوني حاليا زعزعة العلاقة بين تركيا وبين حركة حماس الفلسطينية من خلال المطالبة بوقف نشاط الحركة في مدينة اسطنبول حيث قال الخبير الأمني الصهيوني يوسي ميلمان إن تركيا تتجاهل الشكاوى الإسرائيلية من استمرار وجود قيادات من حماس على أراضيها.

بالرغم من أن العلاقة بين  تركيا والعدو الصهيوني هي علاقة بدأت من قبل انشاء الكيان واعترفت تركيا به في المراحل الأولى لتأسيسه إلا ان تركيا التي اعترفت بالعدو الصهيوني ليس هي تركيا اليوم وهي أفضل بكثير من السابق ولذا من الواجب العمل على تذكير تركيا بهويتها الاسلامية وواجبها تجاه المقدسات والقضية الفلسطينية

  ملف تركيا والصعود المأمول