تتسم العلاقات التركية - الامريكية بوجود العديد من الملفات والقضايا الشائكة والمعقدة مثلما للدولتين من مصالح مشتركة سياسية واقتصادية وعسكرية وامنية ، والمتتبع لمسار العلاقات التركية – الامريكية يرى انها مرت بمراحل تتباين بين التوافق والاختلاف فقد عصفت بها ازمات عديدة كالاختلاف حول قضية قبرص وتداعياتها التي استمرت لسنوات عديدة في ستينيات وسبعينيات اقرن المنصرم ، والجدل الذي أُثير حول اهمية تركيا في الاستراتيجية الامريكية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة ومسألة انتهاء دور تركيا كحائط صد امام تمدد النفوذ السوفيتي الى الشرق الاوسط ، وليس آخرها رفض البرلمان التركي لاستخدام الاراضي التركية منطلقاً لشن الحرب الامريكية على العراق عام 2003 . بيد ان هذه الازمات سرعان ما يتم معالجتها بدافع الحاجة الاستراتيجية لكل دولة منهما ازاء الثانية .

    ولا شك ان التطورات والاحداث السياسية والامنية الجارية في كل من العراق وسوريا لها انعكاس كبير على العلاقات الثنائية بين تركيا والولايات المتحدة الامريكية وبالرغم من وجود توافقات ووجهات نظر متقاربة بين الدولتين حول عدد من الجوانب في الملفين العراقي والسوري الا ان ذلك لم يمنع من وجود التناقض واختلاف المصالح في عدد من الجوانب الاخرى كانت سبباً في حصول مواجهة سياسية تركية – امريكية حولها .

المواجهة في سوريا :

     تلقي الازمة السورية بظلالها على العلاقات الامريكية - التركية وتتعقد وتتعدد خطوط المواجهة التركية – الامريكية في الساحة السورية التي يتمثل اهمها بــــ :

- يتجلى اول خطوط المواجهة التركية – الامريكية في الساحة السورية بالامتعاض التركي من التعامل الامريكي مع تطورات الملف السوري والانكفاء امام انغماس القوى الدولية كروسيا والاقليمية كإيران في الساحة السورية على حساب حلفاء الولايات المتحدة الامريكية كتركيا والدول العربية .

- يتجلى خط المواجهة الثاني في الدعم الامريكي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وجناحه المسلح وحدات حماية الشعب المرتبطين بحزب العمال الكردستاني في تركيا وترفض الولايات المتحدة الامريكية ان تربط تركيا بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني انطلاقاً من الاهداف الامريكية المزعومة في استخدام وحدات حماية الشعب في قتال تنظيم داعش من جهة ، وضمان عدم انجرار اكراد سوريا الى التحالف مع روسيا من جهة اخرى ولعل هذا الامر كان الخط الاصعب في المواجهة التركية – الامريكية في الساحة السورية .

- الخط الثالث في المواجهة التركية - الامريكية يتجلى في الرفض الامريكي المستمر للخطة التركية الرامية الى انشاء منطقة آمنة في شمال سوريا لإيواء اللاجئين السوريين وتمكينهم في ادارة هذه المناطق وتدريب فصائل المعارضة السورية فيها كون هذه المنطقة آمنة ومحظورة جوياً على طيران نظام الاسد والطيران الروسي .

- خط المواجهة الرابع بين تركيا والولايات المتحدة الامريكية ظهر في الامتعاض الامريكي من الدعم التركي لقوى المعارضة السورية لاختلاف وجهات النظر الامريكية والتركية في تصنيف بعض فصائل المعارضة السورية على انها تنظيمات ارهابية في حين ترفض الولايات المتحدة الامريكية تصنيف تركيا لوحدات حماية الشعب على انها منظمة ارهابية وتستمر بتقديم الدعم العسكري والمادي والسياسي لها .

- ولاحقاً يبدو ان التفاهمات التركية - الروسية الاخيرة على عدد من الجوانب في الملف الروسي تثير امتعاض الولايات المتحدة الامريكية حيال الحليف التركي الذي تحسنت علاقته مع المنافس الدولي – روسيا - لها في قضايا وتطورات الشرق الاوسط ليشكل هذا الامر خط مواجهة آخر بين تركيا والولايات المتحدة الامريكية في الساحة السورية .

  المواجهة في العراق :

    يمثل العراق اهمية كبيرة لكل من وتركيا الولايات المتحدة الامريكية ، فالولايات المتحدة الامريكية التي احتلت العراق عام 2003 وغيرت نظام الحكم فيه وصارت لها علاقات وطيدة معه وطرفاً مؤثراً في مجريات الاحداث به ، وترى من الخسارة ان يحصل اي اخلال يؤثر على مصالحها في الساحة العراقية ، وتسعى ان تضبط التطورات فيه بالشكل الذي يتناسب والمصالح الامريكية فيه بشكل خاص ومنطقة الشرق الاوسط بشكل عام ، بينما يمثل العراق الجار الجنوبي لتركيا ونظراً للتقارب الجغرافي والديني والعرقي والتاريخي فمن الصعوبة ان تكون بمنأى عما يجري فيه عن احداث وتطورات التي بدورها تنعكس سلباً وايجاباً على الاوضاع التركية ، ولم يمنع توافق وجهات النظر الامريكية والتركية حول العراق من حصول مواجهات بيت تركيا والولايات المتحدة الامريكية في الساحة العراقية ولا سيما في ظل التطورات السياسية والامنية التي يشهدها العراق في الوقت الراهن .

     تتبادل كل من تركيا والولايات المتحدة الامريكية سهام النقد ازاء الخطوات والسياسات المتخذة من قبلهما حيال العراق وملفاته المتعددة ولا سيما الاضطرابات والخلافات السياسية بين الحركات والاحزاب السياسية العراقية والاضطرابات الامنية وغيرها من المشاكل والصعوبات .

     ولعل المواجهة التركية - الامريكية في الساحة العراقية تتمثل بالمواجهة في عدد من الخطوط اهمها :

-   الخط الاول للمواجهة التركية – الامريكية في العراق يتمثل بالامتعاض التركي من السياسة الامريكية في التعاطي مع التطورات السياسية في العراق ، والتي يقابلها عدم الرضا الامريكي من علاقة تركيا بحكومة اقليم كردستان التي كانت بمنأى عن موافقة الحكومة العراقية ولا سيما في مجال تصدير وبيع النفط العراقي عن طريق تركيا من دون الحصول على موافقة الحكومة العراقية .

-   الخط الثاني للمواجهة يتمثل بوجود عناصر حزب العمال الكردستاني وعناصر من وحدات حماية الشعب في شمال العراق ، ففي الوقت الذي تعد فيه تركيا هاتين المنظمتين من التنظيمات الارهابية فإن الولايات المتحدة الامريكية كانت تغض الطرف عن مشاركتهما الى جانب قوات البشمركة الكردية في قتال عناصر تنظيم داعش في محافظة نينوى والمناطق المحاذية لإقليم كردستان .

-   خط المواجهة الثالث يتضح في الخلاف والتناقض التركي – الامريكي حول وجود القوات التركية في شمال العراق ، ففي الوقت الذي يرفض العراق فيه وجود هذه القوات يأتي الاصرار التركي على المشاركة في معركة تحرير الموصل لم يكن الموقف الامريكي واضحاً حول الامر ، فتارة يأتي الضوء الاخضر للتدخل التركي في العراق ، وتارة اخرى يكون الرد الامريكي بأن الامر منوطاً بموافقة الحكومة العراقية ، وتارة ثالثة تأتي التصريحات الامريكية مؤكدة على ضرورة احترام تركيا لسيادة العراق .

    ختاماً يمكن القول ان العلاقات التركية – الامريكية وبالرغم مما تمر به من مراحل فتور أو توترات الا ان هذا الامر لا يشكل عائقاً يحول امام عودة تحسن هذه العلاقات ، وذلك مدفوعاً بمنظومة المصالح الاستراتيجية المتبادلة بين الولايات المتحدة الامريكية وتركيا ، والحاجة كل دولة للدولة الاخرى في العديد من الملفات والقضايا الداخلية والاقليمية والدولية ، ومهما حصل من اختلافات او تناقضات بين الدولتين في الساحتين العراقية والسورية بيد ان مساحات التلاقي كفيلة بأن تعيد مجالات التعاون الى التفعيل في هاتين الساحتين أو غيرهما .

  ملف تركيا والصعود المأمول