بعد توقف المفاوضات التركية الأوروبية لفترة طويلة بشأن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي جاءت أزمة اللاجئين السوريين لتعيد قبلة الحياة لعملية المفاوضات بين الطرفين حيث استقبلت تركيا قرابة 3 ميلون لاجئ منذ بداية الحرب في سوريا، سكن بعضهم في مخيمات للاجئين لكن أغلبهم انتشر في المدن الكبرى، واتخذ اللاجئون السواحل التركية نقطة انطلاق للوصول إلى أوروبا.

أردوغان استغل في بداية الأمر الأزمة لفتح ملف المفاوضات، إذ تعهدت أنجيلا مريكل بالبدء جدياً بمفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وتسهيلات بدخول الأتراك الاتحاد الأوروبي دون تأشيرة مع دعم تركيا بمليار يورو لصالح عملية الاغاثة للاجئين السوريين حتى الوصول لاتفاق نهائي مقابل منع تركيا تدفق اللاجئين السوريين إلى أوروبا، لكن تغير كل شيء في الخارطة السياسية لتركيا والاتحاد الأوروبي بعد المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016، إذ بدى التوجه الجديد لتركيا في الالتفات شرقاً نحو روسيا والانتباه إلى أمورها الداخلية، مع حديث دار في الأروقة الداخلية للسياسية التركية عن إمكانية الانسحاب من الناتو لاتهام تركيا له ومن خلفه أمريكا بالمعرفة المسبقة للمحاولة الانقلابية الفاشلة.

مبررات السعي نحو الانضمام للاتحاد الأوروبي من تركيا؟

ضمن توجهات السياسة الخارجية التركية يمثل الاتحاد الأوروبي سوق التصدير الرئيسية لمجمل المنتجات الزراعية والصناعية التركية، كما أن التزود المستمر بالسلع الرأسمالية من الاتحاد والتي تعتبر سلعاً ضرورية للتنمية والتحديث الاقتصادي يشكل مطلباً أساسياً لسياسة تركيا التجارية، وتشكل أوروبا منفذاً مهماً للعمال الأتراك، وإن ارتفعت أحياناً معدلات البطالة فيها، غير أن الأمر يبقى من حيث المبدأ، أداة من أدوات رفع الضغط عن سوق العمل في تركيا نفسها التي تعاني أعباء البطالة، وستضمن هجرة العمالة التركية أيضاً قدراً جيداً من تدفق العملة الأجنبية عبر تحويلات العمال، كما أن تركيا تهدف من انضمامها لأوروبا استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لها من الشركات الأوروبية، وذلك سيعوض تدني الادخار، ورفع الخبرات التكنولوجية الجديدة التي تحتاج إليها تركيا لمتابعة التحديث المستمر لاقتصادها[1].

الحال يشبه تماماً ما المقصد الأمريكي من تقديم 12 مليار دولار كمساعدات لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ضمن خطة اعمار أوروبا "مشروع مارشال"، حيث سعت أمريكا من خلال خطة الإعمار على تجديد التصنيع الأوروبي وجلب الاستثمارات واسعة النطاق وفتح أسواق جديدة للسلع الأمريكية في الساحة الأوروبية، في ظل صراع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لبسط نفوذهما على الساحة الدولية.

هل يرغب الأتراك بالانضمام للاتحاد الأوروبي؟

في مطلع القرن الميلادي الجديد كانت نسب تأييد الانضمام في تركيا تتجاوز ٧٠% في استطلاعات الرأي، وهبطت إلى أقل من ٥٠% (نهاية عام ٢٠١١م وفق مؤسسة AP-GfK)، مقابل صعود تركيا اقتصاديا من المرتبة ١١٦ إلى المرتبة ١٦ عالميا، أما الآن فجاء في مقال بقلم ماركو ماير في موقع "كونترا" الألماني يوم ٢٨ /٦ / ٢٠١٦ -أي قبل الانقلاب الفاشل- أن نسبة الرفض بلغت ٧٠% مقابل ٢٣% تؤيد استمرار المفاوضات، ويتركز التأييد على منطقة الأكراد حيث تبلغ نسبته ٨٣%، في أوروبا أيضا تقول استطلاعات الرأي إن غالبية السكان في بعض الدول كالسويد وإسبانيا والبرتغال تؤيد الانضمام بينما تصل نسبة الرفض إلى ٨١ في المائة في النمسا و٦٩ في المائة في ألمانيا والغالبية البسيطة في بلدان أخرى مثل فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، ولا تبتعد المواقف السياسية عن هذه المواقف الشعبية.[2]

لماذا تتخوف أوروبا؟

في حالة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، فهذا يجعلها ثاني أكبر عضو في الاتحاد من حيث عدد السكان بعد ألمانيا، حيث بلغ عدد سكان تركيا 81,619 مليون نسمة في عام 2014 م، وقد تصبح بعد فترة العضو الأول في الاتحاد من حيث عدد السكان وفق بعض التقديرات، وهذا التعداد يعطيها عدداً أكبر من الممثلين داخل البرلمان الأوروبي، ويجعلها من الأعضاء الفاعلين فيه في حال قبولها في الاتحاد[3].

 ويعتقد البعض أن هذا يثير مخاوف سياسية عديدة لدى دول الاتحاد من أن تتحول القضايا الإسلامية في تركيا إلى قضايا أوروبية نظرا لأن الديانة الرئيسية في تركيا هي الإسلام.

على المستوى الاقتصادي يتوقع البعض أن انضمام تركيا للاتحاد سوف يدفع بعدد كبير من المهاجرين الأتراك إلى بعض دول الاتحاد مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وغيرها، للبحث عن فرص عمل في هذه الدول، ويتوقع الأوروبيون أن تنتشر العمالة التركية بأوروبا مما ينعكس سلباً على معدلات البطالة فيها.

هذا بالإضافة إلى توقع انتشار السلع التركية في دول الاتحاد مما سيؤثّر على أسعار الصناعة المحلية في هذه الدول فضلا عن تأثيره على مستوى الجودة، ويرى بعض المحللين أن انضمام تركيا سيتيح للمستثمرين الأوربيين القيام باستثمارات في تركيا التي تعتبر سوقا من أكبر أسواق أوروبا.

ولعل حملة الانتقادات الأوروبية تجاه إعلان حالة الطوارئ الآن بعد الانقلاب الفاشل تحت عنوان الحفاظ على دولة القانون، صادرة عن الخشية من إضعاف مواقع شرائح سياسية معارضة تركية لا يخفى أنها الأقرب بمنطلقاتها وأطروحاتها إلى الدول الغربية، علاوة على ارتباط الجانب "التقنيني" بالعضوية في الاتحاد الأوروبي، وقد ظهر هذا الارتباط بصورة أوضح في الموقف من احتمال تفعيل عقوبة الإعدام.

ولكن الغريب في الأمر أن فرنسا أعلنت حالة الطوارئ[4] في 14-11-2015 بعد سلسلة من الهجمات التي تعرضت لها باريس وبعض المدن الفرنسية راح ضحيتها أكثر من 120 شخص، ويتوقع أن تمدد فرنسا حالة الطوارئ عاماً آخر، للحفاظ على أمن البلاد، في نفس الوقت اعتبرت فرنسا خطوات تركيا في إعلان حالة الطوارئ بعد سلسلة من الاعتقالات طالت العديد من كوادر الأحزاب السياسية في تركيا على رأسهم أتباع عبد الله غولن أنها مخالفة لشروط الانضمام للاتحاد الأوروبي.

موقف تركيا من حلف الناتو:

مع أن التلميح فعلياً من قبل الناتو أن لا مكان لتركيا غير ديمقراطية في حلف يستند إلى مبادئ ديمقراطية، في إشارة لحلف الناتو بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة والتي عبقتها حملة تطهير واسطة النطاق نفذها أردوغان ضد معارضيه بغية إحكام قبضتع على السلطة، وهذا ما شجعه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري حيث صرح قائلاً: " ليس بإمكان تركيا أن تبقى عضواً في الناتو إذا انحرفت عن الديمقراطية وسيادة القانون في إطار ملاحقتها للأشخاص الذين يقفون خلف المحاولة الانقلابية الفاشلة"

لكن الموقف التركي من الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو سيئاً خصوصاً بعد تصريحات مختلفة من قبل مسؤولين أتراك عن علم مسبق للناتو والولايات المتحدة بالمحاولة الانقلابية، والتي لو نجحت لأصبحت تركيا جزءاً من المخططات الأطلسية، ضمن الصراع الدائر بين الأطلسين ومعسكر أوراسيا في الجيش، وكانت الخسائر لتشمل إعلان استقلال كردستان، والحكم الذاتي للأكراد في جنوب شرق الأناضول، وخسارة قبرص، مع أن تركيا تقف على خط التوزان بين الأطلسي وأوراسيا، وبات من الواضح تماماً أن الناتو لا يخدم مصالح تركيا[5].

وبالرغم من ذلك تبقى مكانة تركيا على الخريطة السياسية مهمة للناتو فهو ينشر أنظمة الرادار المتطورة التابعة له في "كورجيك" شرق تركيا ضمن برنامج الدفاع الصاروخي البالستي، ويجرى تدريبات عسكرية خاصة في البحر الأسود، ويسعى دائماً لممارسة ضغوط على تركيا من أجل أن يكون له وجود دائم هناك، لذلك قد يبدو من الصعب على الحلف أن يدير ظهره لتركيا في خضم الاضطرابات التي يشهدها الشرق الأسود ومنطقة البحر الأسود، وفي ظل تخبِّط الاتحاد الأوروبي بعد استفتاء "بريكسيت" الخاص ببقاء المملكة المتحدة "بريطانيا" في الاتحاد.

ولا يبدو أن الغرب في موقع يخوله حالياً لإجراء حسابات لإعادة هيكلة الاستراتيجيات العالمية والإقليمية من دون تركيا، وإبعاد الضباط الأتراك من المنشآت التابعة للناتو، أو إمكانية إدارة المنطقة دون تركيا، مما يجعل أن تلميحات طرد تركيا من الناتو جوفاء من دون معنى نظراً إلى ما يجري الآن في العالم.

السيناريوهات والمستقبل:

قد يبدو المشهد أكثر تعقيداً في تصور أن تسحب تركيا طلب انضمامها للاتحاد الأوروبي، فهي تسعى بكل قوة لخلق سوق لسلعها واقتصادها وعمالتها واستجلاب أكبر قدر ممكن من التقانة الأوروبية العالية، وتسعى لدور أكبر في السياسة الدولية لذلك ستحافظ على هذا التوجه، وإن أرجأت هذه للاستفتاء من الشعب التركي، لكن ذلك لا يخفي سعيها للانضمام.

قد تسعى تركيا لانفتاح أكثر على الشرق روسيا والصين، لتوثيق العلاقات الاقتصادية وابرام اتفاقيات جديدة، أو الدخول في مجموعات اقتصادية كـ"البريكس"، وكل ذلك لدعم الاقتصاد التركي بشكل أكبر يعزز من موقعها السياسي في المنطقة، ولدعم الليرة التركية بشكل أساسي مقابل الدولار.

تسعى تركيا منذ خمس سنوات لتعزيز دور استثماراتها في القطب في أفريقيا، حيث يستمد المنظور الاستراتيجي التركي تجاه إفريقيا مؤشراته الحديثة من خلال ركيزة الدبلوماسية المتناغمة التي ترى أن الدور التركي الحديث يجب أن يتجاوز مفهوم الدولة الطرفية غير الفاعلة إلى تعزيز وخلق آليات من التوافق والانسجام بين الآليات الكبرى للدولة التركية الحديثة والاستراتيجيات الصغرى للشركات والأفراد , وبهذا المنظور يضع الساسة الاتراك الجدد في إفريقيا مساحة مهمة لخلق هوامش مؤثرة للدبلوماسية التركية؛ لذلك شكَّلت سنة 2005 انعطافة جديدة نحو إفريقيا بالإعلان عن هذه السنة سنةً للانفتاح على إفريقيا ليُتبع بعد ذلك بالإعلان عن تركيا حليفًا استراتيجيا للاتحاد الإفريقي سنة [6]2008.

ترنو تركيا إلى أن يصل حجم التبادل التجاري بينها وبين القارة الإفريقية إلى عتبة 50 مليار دولار بحلول سنة 2023؛ وذلك بفعل الاستثمارات العملاقة التي قامت أنقرة بتعبئتها في الداخل الإفريقي ومن خلال الاعتماد على العمالة الإفريقية المحلية.

لا أعتقد أن فكرة الانسحاب من الناتو قد تكون مطروحة بجدية في هذا الوقت من قبل تركيا، لكنها ستحافظ على توازنها بين الناتو وروسيا وقد تشهد العلاقات التركية الأمريكية مزيداً من التوتر، سترفض خلالها تركيا إملاءات جديدة للناتو في توسع الدرع الصاروخي على أراضيها وإجراء تدريبات عسكرية جديدة.

 


[1] ابي يونس، الكسندر ( 2011 ). العلاقات الحائرة بين تركيا والاتحاد الأوروبي، مجلة الدفاع الوطني.

[2] نبيل شبيب، أوروبا وتركيا وما بعد الانقلاب الفاشل، الجزيرة نت، نشر في 1-8-2016، تابع الرابط.

http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2016/8/1/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B4%D9%84

 [3] سامية السيد، تركيا والاتحاد الأوروبي: 28 عاما من مفاوضات الانضمام، 15-10-2015.

 [4] تقرير نشر في سكاي نيوز العربية في 14-11-2105 تابع الرابط.

http://www.skynewsarabia.com/web/article/790840/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%94-%D9%88%D8%AD%D8%B1%D8%A8%D8%A7-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B1%D8%AD%D9%85%D8%A9-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%95%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8

[5] ديفيد رومانو, الناتو وتركيا حان الوقت للقبول بالحقائق، 14-11-2016، تابع الرابط

http://rudaw.net/arabic/opinion/14112016

 [6] بوحنية قوي،  إفريقيا في الاستراتيجية التركية الجديدة، قطر: مركز الجزيرة للدراسات، 25-10-2015.

  ملف تركيا والصعود المأمول