تتباين وجهات النظر الإسلامية حول تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، الذي اختار المسار المدني، والمشاركة الديمقراطية السلمية، والإصلاح الاقتصادي، والتنمية الشاملة، كمنطلق أساسي في أسلمة المجتمع، غير أن النظر إلى التجربة بمعزل عن المراحل التي سبقتها، والسياق الذي جاءت فيه، والتطورات التي مر بها، وما ترتب على وجوده من تحديات، يجعل الحكم عليها مفتقرًا إلى أبجديات دراسة التجارب وتقييمها، لذلك جاء هذا المقال محاولًا تسليط الضوء على الأسباب التي جعلتهم يختارون هذا المسار، ويغلِّبونه على النظريات والاجتهادية الإسلامية الأخرى في الإصلاح والتغيير، ولعل من أهم الأسباب ما يلي:

أولًا: تربص العلمانيين بكل محاولة إسلامية تنافس على الحكم، مما يجعل مهمة الأسلمة أصعب مما نتوقعه، فجهود الصحوة الإسلامية التي انطلقت في القرن الماضي جاعلةً تطبيق الشريعة من أهم أولوياتها اصطدمت بعقبات الواقع الكثيرة، فالعلمنة تغلغلت في كل مكونات الدولة التركية، ومنذ انتهاء الدولة العثمانية، وتأسيس الجمهورية التركية عام 1923م، ترسخ مبدأ العلمانية في تركيا اقتداءً بالغرب، وزُرع في عقول أبنائها أن الحرية والديمقراطية لا يمكن أن تسود سوى بالعلمانية المطلقة، فحكموا البلاد أكثر من ثمانين عامًا، ساهموا خلالها في إيجاد أجيال بعيدة عن الدين، وعملوا على قمع الرموز الدينية، وإقصاء الإسلام عن المجتمع والسياسة والدولة بكل وسيلة ممكنة، واستصدار الأحكام المناهضة له في كل نواحي الحياة، فاستطاعت تلك الحكومات أن تحرف مسار الثقافة التركية الإسلامية العريقة، وتستبدلها برموز وقناعات واهتمامات وقدوات علمانية بحتة، مما جعل التصريح بالانتماء الإسلامي محكومًا عليه بالفشل والتقتيل والتغييب في السجون.

ثانيًا: التحدي الأكبر أمام الإسلاميين ليس في الوصول إلى السلطة، وإنما في التمكن فيها، فقد وصلوا إليها مرارًا في دول عديدة، منها تركيا، لكنهم سرعان ما قُمعوا وغُيبوا عن المشهد أو حُصروا، إما بآليات ناعمة أو بانقلابات عسكرية، وتجربة أربكان والعقبات التي تعرض لها، وحل الأحزاب التي شكلها في مرات عديدة شاهد على ذلك، ومن قبلها تجربة عدنان مندريس وإعدامه رغم أنه لم يصرح بإسلاميته، فكان التحدي الأكبر أمامهم المحافظة على إنجازهم وفوزهم، وأخذ فرصتهم في تطبيق البرنامج الذي طرحوه، ففشل التجارب الإسلامية الأكثر وضوحًا في تبنيها للإسلام-التي حاولت الوصول إلى الحكم-، سواء في تركيا أو خارجها، أثمرت نضجًا لدى العدالة والتنمية من حيث الثغرات التي يمكن أن يتسلل منها العسكر والخصوم، فكانت التجربة المدنية أقدر على التخفي في الدولة، وسد الثغرات التي يمكن لنظام الدولة العلمانية العميق الدخول منها.

ثالثًا: إن المواطن البسيط قد لا تجذبه الشعارات الإسلامية، والقيم الفاضلة، والمصلحة العامة، المترتبة على اختياره للإسلاميين، بقدر ما يجذبه تأمين لقمة عيشه، ودواء أطفاله، واحتياجات عياله، فكان لا بد من تقديم نجاحات عملية ملموسة في الاقتصاد والتعليم والسياسية؛ لمد جسور الثقة مع المواطن، وحتى لا يتحول رفضه انتخاب الأحزاب الإسلامية رفضًا للإسلام، وتفضيلًا للرزق على الدين والمبادئ، فكان تقديم النموذج الناجح، وبرهنة القدرة على الحكم، أسبق من التصريح بالمفاهيم الإسلامية؛ ليكون الاقتصاد مساندًا ومناصرًا للاعتقاد، ولا يتحول العجز والفشل إلى فتنة للناس في دينهم، وأستحضر هنا قول عمر ابن عبد العزيز -رحمه الله-: "ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً".

رابعًا: بقاء البذور الإسلامية مزروعة في قلب الشعب التركي، وما العلمنة إلا حدث طارئ، فُرضت عليه من قبل العسكر ومنظومة الدولة العلمانية ذات الأذرع المتعددة، وفي اللحظة التي يُسمح للشعب بالاختيار الحر، فسيختار الإسلاميين الأكفاء، فهو ديني بفطرته، ويشتاق لإحياء رؤية أجداده العثمانيين، ولهذا عملت القوى الاستعمارية الحاقدة على الإسلام؛ لإقامة حاجز يمنع عودة قوة تركيا المسلمة، غير أن الله يهيئ الأسباب لولادة الأمل الإسلامي من جديد، ولعل كثيرًا من الأصوات التي تنادي بسرعة الأسلمة عاشت فترة حكم العدالة والتنمية ولم تعش المعاناة قبل مجيئه، أو نسيت السنين الطوال التي عملت فيها شتى القوى العلمانية على طمس القيم والهوية الإسلامية.

خامسًا: تأثر العدالة والتنمية التركي بفكر حركة النهضة التونسية، التي تعد من أكثر الأفكار الإسلامية قربًا من مفاهيم الدولة المدنية، فكتابات قادة النهضة أمثال الشيخ راشد الغنوشي التي تغلِّب الفكر الإصلاحي على الفكر الثوري، والمليئة بالدعوة إلى التصالح مع النظام المدني، واستثماره في أسلمة المجتمع، ساهمت في قبول الإسلام المدني، فالنهضة أسبق من العدالة والتنمية تنظيرًا، ولهذا استفاد العدالة والتنمية من فكر النهضة، بينما العدالة والتنمية أسبق من النهضة تجربة وتطبيقًا، فحاولت النهضة الاستفادة منه في تجربتها عندما تولت الحكم.

سادسًا: تأثر العدالة والتنمية بموقعه الجغرافي، وامتداده التاريخي، فقربه من أوروبا، وسعيه للتقارب معها، جعله يحاول التماهي معها، ومجاراتها في شكل الدولة ومنطلقاتها واهتماماتها، وكذلك امتداده التاريخي له دور في ذلك، فتركيا كانت عاصمة الخلافة الإسلامية قبل سقوطها وإقامة الدولة العلمانية، وعادة الأفكار التي يتداولها مجتمع العاصمة والمدينة المحورية، تميل نحو الانفتاح والتجديد، وتكون متأثرة بشكل أو بآخر بنظام الدولة الحديثة.

لقد اختار العدالة والتنمية الدخول في نظام علماني، واستثمار الثغرات المتاحة فيه للوصول إلى الحكم، وسلك طريقًا ينعش من خلاله اقتصاد بلده، وينهض بالأخلاق والتعليم والقيم، وينصر قضايا المستضعفين، ويسعى لبث الآداب والفضائل، ويقلص الفساد باقتلاع جذوره من النفوس، ويعمل على جعل التدين فطرة وباعثًا داخليًا قبل فرضه خارجيًا، ويجتهد في تجفيف منابع الرذائل، ويوفر ما جاز من البدائل، ويعرض الإسلام بأسلوب حضاري، تتقبله النفوس والفطر، ويبث الحرية والعدالة؛ لأن انتشار أجواء الحرية، وقول ما ينبغي قوله دون قيود، يستفيد الإسلام منها أكثر من كل الأديان؛ لأنه دين الفطرة والعقل والدعوة، لهذا حرص على التدرج في الإصلاح، والبعد عن الانتقالات السريعة وحرق المراحل، وسعى إلى التمهيد لإعادة المفاهيم الإسلامية من جديد شيئًا فشيئًا، دون التصادم مع القوى العلمانية التي ما زالت مؤثرة في مؤسسات تركيا المختلفة إلى يومنا هذا، ولن يتم التغيير المنشود قبل التأثير في نظرة المجتمع التركي تجاه الإسلام، وزرع الرؤية الواضحة السليمة في عقول الجيل الناشئ.

إن الواجب اليوم على العدالة والتنمية مواصلة أسلمة الدولة والمجتمع، والعمل على غرس العقيدة الصحيحة، والقيم والمفاهيم النقية، وإصلاح ما أفسده العلمانيون، بما يسمح بظهور جيل يحمل رؤية جماعية إسلامية مغايرة لما رسمته العلمانية خلال الفترة السابقة من عمر تركيا.

  ملف تركيا والصعود المأمول