بينما قالت رئاسة الأركان التركية في بيان للرأي العام عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة مباشرة  أن عدد الذين شاركوا من أفرادها في المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 يوليو 2016 والذين وصفتهم بالخونة بلغ  8651  منسوبا وأعلنت أن هذا الرقم يمثل  1.5 % من مجموع القوات المسلحة التركية، وأن 1676 منهم هم من العسكريين من الرتب الدنيا و 1214 من الطلاب المجندين في الكليات العسكرية. فإن 143 من هؤلاء الانقلابيين كانوا ما بين رتبة جنرال أو أدميرال وهذا الرقم شكل أكثر من ثلث الضباط الكبار في الجيش البالغ عددهم 358.

أما عن المعدات العسكرية التي استخدمت في المحاولة الانقلابية فقد أفيد أن 35 طائرة  24 منها حربية و37 مروحية و74 دبابة و246 مدرعة  و3 سفن قد شاركت في المحاولة فيما استخدم 3922 سلاحا خفيفا. وقد كانت القوات المسلحة التركية قد أعلنت عن بنيتها البشرية حيث أوضحت أن عدد قواتها هو 620473  منهم 358 جنرال وأميرال.

كانت  الانقلابات في التاريخ العسكري التركي تنطلق من الثقافة والعقيدة العلمانية للجيش الذي يرى نفسه حامي العلمانية ويرى نفسه هو الذي يقوم بموازنة مبادئ الدولة التي أسسها أتاتورك في مواجهة تغييرات الحكومة التي يقودها إسلاميون، وقد دار الكثير من الحديث حول مؤامرات انقلابية حاول تنفيذها عدد من العلمانيين في الجيش بين أعوام 2007 و2010 وحدثت بناء على ذلك استقالات وتعيينات جديدة، ولكن هذا الانقلاب جاء مختلفا بعد تغلغل استمر أكثر من 30 عاما من جماعة فتح الله غولن وهذا يبقي الباب كما كان مفتوحا حتى لو تم القضاء على نفوذ جماعة غولن في مؤسسات الدولة فإن الجيش الذي يتبنى العلمانية ما زال قائما وكما ذكر أحد الباحثين الأتراك فإن مؤسسة الجيش تعد صندوقا مغلقا أمام حزب العدالة والتنمية ولعل محاولة جماعة غولن تكون مدخلا لتغيير عميق لصالح السياسة من جديد يعمل على منع محاولات انقلابية أخرى من خلال تصعيد الموالين.

ووفق هذا الإدراك لم ينتظر الرئيس أردوغان كثيرا بعد الانقلاب حيث بدأ مباشرة حملة تطهير الجيش واتخذ اجراءات جديدة من أجل التأكد من عدم قيام محاولة انقلابية جديدة داخل الجيش، فلم تشمل عملية التطهير الوحدات التي شاركت في الانقلاب بشكل مباشر فقط مثل الفيلق الرابع التابع للجيش الثاني أو القاعدة الجوية الرئيسية " ايكينجي"  في أنقرة بل إن الحملة اتسعت لتصل كل مؤسسات الجيش وأقسامه.

أما على مستوى الولاءات فيعتقد وفقا لخبراء بالجيش التركي أن هناك عدد من القادة في الجيش يعطون في العلن ولائهم للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومن هؤلاء رئيس هيئة الأركان خلوصي أكار ونائبه يشار غولر، وقائد القوات الجوية عابدين أونال وقائد البحرية بولنت بوستان أوغلو وقائد القوات الخاصة زكائي أك سكالي، أما الوحيد الذي ثبت تعاونه مع الانقلابيين فقد كان الجنرال غالب مندي قائد قوات الجندرما ويمكن القول أنه على مستوى القيادة العليا في الجيش يوجد 6 جنرالات من أصل 7 لم يشاركوا في الانقلاب بل إن بعضهم مثل الجنرال   زكائي أك سكالي كان لهم دور في إحباط الانقلاب وكذلك قائد الجيش الأول في اسطنبول أوميت دوندار الذي أشيع أنه هو قام بتحذير أردوغان قبل فترة كافية لكن بعض قادة الألوية تحت إمرته كانوا من الانقلابيين . لكن مع النزول درجة واحدة في التدرج العسكري على الأسفل وعلى سبيل المثال في قيادة القوات البرية نجد أن 2 فقط من أصل 50 قائد كانوا من الموالين للرئيس أردوغان. فمثلا كان قائد الجيش الثاني ادم حدودي من الانقلابيين وهو مسؤول الجيش الذي يتوزع على الحدود مع سوريا والعراق وهو ثاني أكبر تشكيل بري ، وكذلك الحال مع قائد جيش ايجة او الجيش الرابع في القوات البرية. وتجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن عدد من القادة العسكريين الذين يعملون مع الناتو لا يدينون بولائهم للحكومة التركية وتعمل الحكومة حاليا على تصفيتهم مما يشعر القيادة الغربية للناتو بالانزعاج.

وبالرغم من ذلك ومع فصل  1684 جنديًا القوات المسلحة التركية. فقد تم إصدار مراسيم ذات هدف وقائي مثل إلحاق هيئة رئاسة الأركان برئاسة الجمهورية وقادة الجيش والبحرية وسلاح الجو بوزير الدفاع وأصبح نواب رئيس الوزراء ووزيرا الخارجية والداخلية  مكتسبين لعضوية المجلس العسكري الأعلى (YAŞ). كما تم إغلاق كل الأكاديميات العسكرية وتوحيدها في مؤسسة واحدة تحت السيطرة. كما يتم العمل على دعم الشرطة التركية لإحداث توازن مع قوات الجندرما التي كان لها دور سلبي في أحداث الانقلاب، وفيما يتعلق بالقوات الجوية حيث كان لها دور غير مسبوق في هذه المرة فقد أقال الرئيس قادة تسع قواعد جوية رئيسية، أما فيما يتعلق بالبحرية التركية فقد كانت من أقل الجهات التي ساهمت في الانقلاب ومع ذلك طال التغيير عددا من القادة الفرعيين فيها.

لقد تركزت عمليات التطهير وتم إقرار نقل الثكنات العسكرية القريبة من المدن خاصة في أنقرة واسطنبول وإزمير ولكن كما ذكرنا فإن عملية التطهير تركز على أعضاء جماعة غولن الذين تم اكتشافهم وشكلوا 1.5% من الجيش وإذا كانت الحكومة تضمن ولاء أقسام كبيرة من الجيش ستزداد أعدادهم مع عمليات التطهير وترفيع الموالين فإن أمامنا نسبة ليست قليلة من النخب العلمانية بالتأكيد هي أضعاف 1.5% ولا زالت غير منسجمة مع الحكومة وبالتأكيد أن هناك من كان له نوايا انقلابية و سوف يكون لديها حوافز ونوايا انقلابية إذا ما حصلت على ضمانات خارجية ولكن يجدر بنا القول أن الفرص الانقلابية أضعف من السابق وهناك تزايد في حجم الموالاة داخل الجيش للحكومة وللرئيس خاصة أن المحاولة الأخيرة أضافت مدخلات جديدة قد تصعب حسابات أي محاولة انقلابية ومع مرور الوقت فإن الأمور تتجه لصالح مزيد من القوة لحكومة العدالة والتنمية فهل سيسمح الجيش بهذا أم أن هناك حد لدى قادة الجيش العلمانيين  الذين أضحت الأجسام السياسية التي تمثلهم أضعف من اقناع الشعب بإسنادهم في مواجهة القيادة الحالية لتركيا.

   ملف تركيا والصعود المأمول