في صبانا و خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى حينما كانت الدوريات الصهيونية تجوب شوارع المخيمات و الحارات في قطاع غزة و الضفة المحتلة، كنا نبحث عن المصطلحات التي تغضب جنود الجيش الصهيوني و نصرخ بها بأصوات عالية أو نكتبها بخطوط عريضة على جدران الشوارع، أكثر تلك المصطلحات مفعولاً كانت كلمة "" Zionists  و المقصود بها " صهاينة"، تلك الكلمة التي يدور حولها تاريخ الكيان الصهيوني و تنسب إلى الصهيوني الأكبر تيودور هيرتزل الذي ابتكر الحركة الصهيونية و أسس لها دولة على أنقاض ضعف و تشرذمة العرب و المسلمين، أصبحت مستعابة اليوم في فضائياتنا الإخبارية العربية و أبرزها قناتي الجزيرة و العربية، حتى لا نشعر أصدقاء العرب الجديد وشركائهم في عملية السلام بالألم و الأسى.

عرضت  مجلة الحكمة للدراسات الأدبية و اللغوية   -مجلة علمية محكمة- دراسة تناولت هذا الجرح الذي ليس له طبيب، في العدد الثالث و الثلاثون لعام  2015، كانت بعنوان " التحليل النقدي للخطاب بالإعتماد على المدونات اللغوية: أخبار حرب غزة نموذجاً"، للدكتور عقيل الشمري و الدكتور محمود المحمود من جامعة الملك سعود حاولا فيها تحليل تناول قناتي الجزيرة و العربية للحرب الصهيونية على غزة  من خلال دراسة المفاهيم و المصطلحات الإعلامية التي استخدمتها كلتا القناتين.

وتناولت الدراسة تحليل مايقرب من نصف مليون كلمة (528641  كلمة) موزعة على 1525 نصاً إخبارياً تمثل أخبار قناتي الجزيرة والعربية المتعلقة بالحرب على غزة، والتي تمثل فيها نصوص قناة العربية 31% بينما نصوص قناة الجزيرة 69% وذلك الرقم عائد إلى آلية تناول كل جهة إخبارية   بموضوع الحرب على غزة.

أظهرت نتائج الدراسة أن مصطلحات مثل (الأمم، قتل، التوصل، مبادرة، الرئيس) هي الأكثر إستخداماً بالنسبة لقناة العربية، بينما تستخدم قناة الجزيرة كلمات مثل (المقاومة، عدوان، القسام، قصف)، و تشير  الدراسة أنه في كلا القناتين تتكرر مصطلحات مثل( غزة، إسرائيل)، لكن اسم العلم (فلسطين) غائب عن الخطاب الإعلامي للقانتين كليهما. كما يتبين أن قناة الجزيرة تستخدم لوصف  الوفيات نتيجة العدوان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة وصف "شهيد" أما العربية فتستخدم وصف" قتيل". كما تطلق الجزيرة كلمة (عدوان) بينما تصف العربية الحرب الصهيونية بــ( الهجوم).

وتلاحظ الدراسة أن الجزيرة تستخدم تقييماً معيناً في توصيف الصراع، مثل (مقاومة، إحتلال، تحرير)، بينما في العربية تكتفي بإستخدام كلمة (نزاع)، كذلك فإن كلمة (استنزاف) وردت في الجزيرة في (50) موضعاً، تشير في معظمها إلى تخوف تل ابيب من الحرب، بينما لم توردها قناة العربية مطلقاً

.وتظهر النتائج أنه بالرغم من  محاولة كلتا القناتين لنقل الوقائع إلا أنهما لاينطلقان من ذات الرؤية. فالعربية تكتفي بإبراز المعلومات الرئيسية من زاوية الرؤية الدولية خلافا للجزير و التي تحرص على التفاصيل وسرد الوقائع مع التركيز على السياق التاريخي والديني والتعاطي مع الحدث على أنها هجمات صهيونية عدوانية.  بعيداً عن ما ذهب إليه الباحثان من نتائج لكن الواقع يكشف الكثير عن تأثر الجزيرة و العربية على حد سواء بالتوجهات السياسية في المنطقة واستثمارهما الحدث الفلسطيني فقط عند الحاجة، و هذا الأمر لا يعني أن ننسى التغطية التي يمكن وصفها بالمنحازة من قبل قناة العربية لصالح الكيان الصهيوني من خلال التقليل من تأثير المقاومة على طبيعة المواجهة و التخفيف من هول جرائم الإحتلال، ومحاولة الترويج لأي وصفة أو مبادرة معنية بتقويض جهود المقاومة ضد الإحتلال مثل المبادرة المصرية التي جاءت لقطع الطريق على إتفاق كان يمكن أن يؤدي لوقف الحصار على قطاع غزة.